الشيخ محمد علي طه الدرة

473

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فقد جمعت الدعوة في هذه الآية كلّ خير في الدنيا ، وصرفت كل شرّ ، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي من عافية ، ودار رحبة ، وزوجة صالحة ، ورزق واسع ، وعلم نافع ، وعمل صالح ، ومركب هنيء ، وجار صالح ، وثناء جميل ، وغير ذلك ، وأما الحسنة في الآخرة ؛ فأعلى ذلك دخول الجنّة ، وما فيها من النعيم المقيم ، والأمن من الفزع الأكبر في عرصات القيامة ، وتيسير الحساب ، وغير ذلك من الأمور الآخرة الصّالحة . وأما النّجاة من النّار ؛ فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدّنيا ، من اجتناب المحارم ، والمآثم ، وترك الشّبهات وأكل الحرام . عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « أربع من أعطيهنّ ؛ فقد أعطي خيري الدّنيا والآخرة : قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ، وبدنا على البلاء صابرا ، وزوجة لاتبغيه حوبا في نفسها ، وماله » . رواه الطّبراني بإسناد جيد . ولهذا وردت السنة بالتّرغيب بالدّعاء في هذه الآية ، فقال البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - عن أنس - رضي اللّه عنه - : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اللّهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النّار » ، وكان أنس - رضي اللّه عنه - إذا أراد أن يدعو بدعوة ؛ دعا بها ، وإذا أراد أن يدعو بدعاء ؛ دعا بها فيه . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إنّ عند الرّكن اليماني ملكا قائما منذ خلق اللّه السّموات والأرض ، يقول : آمين ، فقولوا : رَبَّنا آتِنا . . . إلخ . وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني ، وهو يطوف بالبيت ، فقال : حدثني أبو هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « وكّل به سبعون ملكا ، فمن قال : اللهمّ إنّي أسألك العفو والعافية في الدّنيا والآخرة ، ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار ؛ قالوا : آمين » . أخرجه ابن ماجة في السّنن . بعد هذا ؛ ف ( قِنا ) من الوقاية ، وهي التّحرّز من المهالك في الدنيا ، والآخرة ، فهو فعل دعاء ، وصيغته صيغة أمر ، فهو من : وقى ، يقي اللفيف المفروق ، فتحذف فاؤه من المضارع مثل كلّ فعل مثال ، مثل : وعد ، يعد ، و : وزن ، يزن . . . إلخ ، والأمر منه : أوقنا ، حذفت منه الواو ، كما حذفت من مضارعه ، واستغني عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به ، وتحذف لامه مع فائه لبنائه على حذف حرف العلّة ، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر ، مثل : اسع ، وادع ، وارم ، فيبقى فعل الأمر باللفظ حرفا واحدا ( ق ) ومثله : وعى ، يعي ، ع ، ووفى ، يفي ، ف ، وولي ، يلي ، ل ، ووطى ، يطي ، ط . وإذا لم يتصل به ضمير ؛ تلحقه هاء السكت ، فتقول : فه ، قه ، له عه ، طه ، وبه يلغز ، فيقال : [ الرجز ] في أيّ لفظ يا نحاة الملّه * حركة قامت مقام الجملة ؟ الإعراب : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً : انظر إعراب هذا الكلام في الآية السابقة . فِي الدُّنْيا : متعلقان بالفعل قبلهما ، أو هما متعلقان بمحذوف حال من :