الشيخ محمد علي طه الدرة

46

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

أنثى ، فعلى الأول قيل : هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب . فتكون سارية في جميع البدن ، قال الجنيد - رحمه اللّه - : الرّوح : شيء استأثر اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود ، قال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 85 ] : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وقال بعضهم : إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، فمن حيث تفكّرها تسمى : عقلا ، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى : روحا ، ومن حيث شهوتها : تسمّى نفسا ، فالثلاثة متّحدة بالذات ، مختلفة بالاعتبار ، وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح . هذا ؛ ومن الدليل على أن النفس هي الروح قوله تعالى في سورة ( الزّمر ) رقم [ 42 ] : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها يريد الأرواح ، وذلك بين في قول بلال - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث ابن شهاب : « أخذ بنفسي يا رسول اللّه الّذي أخذ بنفسك » . وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتى طلعت الشمس ، وهم قافلون من غزوة تبوك . والنّفس أيضا : الدم ، يقال : سالت نفسه ، قال الشاعر : [ الطويل ] تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل وقال إبراهيم النّخعي ، وهو المقرّر في الفقه : ( ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجّس الماء إذا مات فيه ) ، والنّفس أيضا : الجسد ، قال شاعر : [ الكامل ] نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تامور نفس المنذر والتّامور أيضا : الدم . وانظر الآية رقم [ 144 ] الآتية . هذا وقد ذكر القرآن الكريم للنفس خمس مراتب : الأمارة بالسّوء ، واللّوامة ، والمطمئنّة ، والراضية ، والمرضية ، ويزاد : الملهمة ، والكاملة ، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسّوء ، ولا تأمر بالخير إلا نادرا ، وهي مقهورة ، ومحكومة للشّهوات . وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية ، وأذعنت لاتباع الحق ؛ لكن بقي فيها ميل للشّهوات ؛ سمّيت : لوّامة ، وإن زال هذا الميل ، وقويت على معارضة الشّهوات ، وزاد ميلها إلى عالم القدس ، وتلقّت الإلهامات ؛ سمّيت : ملهمة . فإن سكن اضطرابها ، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا ؛ سميت : مطمئنّة ، فإن ترقّت من هذا ، وأسقطت المقامات من عينها ، وفنيت على جميع مراداتها ؛ سميت : راضية ، فإن زاد هذا الحال عليها ؛ صارت مرضية عند الحقّ ، وعند الخلق ، فإن أمرت بالرّجوع إلى العباد لإرشادهم ، وتكميلهم ؛ سمّيت كاملة ، فالنفس سبع طبقات ، ولها سبع درجات ، كما ذكرت ، وقدمت . وأخيرا خذ ما ذكره القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : وفي الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « ما تقولون في صاحب لكم ، إن أكرمتموه ، وأطعمتموه ، وكسوتموه ؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية ، وإن أهنتموه ، وأعريتموه ، وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية ؟ » .