الشيخ محمد علي طه الدرة

441

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

أجورهم ، ويتهرّبون من واجباتهم ، والذين يسرقون ، ويخونون ، ويغشّون ، ويختلسون ، ويدخل في ذلك : القمار ، والخداع ، والغصوب ، وجحد الحقوق ، وما لا تطيب به نفس مالكه ، كما يؤخذ بالحياء ، إذ ما أخذ بالحياء ؛ فهو حرام ، أو حرمته الشريعة ؛ وإن طابت به نفس مالكه ، وحلوان الكهّان ، والمنجّمين ، والمشعوذين ، وأثمان الخمور ، والخنازير ، وأثمان الملاهي الشاغلة عن ذكر اللّه تعالى ، وربحها ، بل وتجارتها حرام ، والغبن الفاحش في البيع والشّراء ، وأفحش ذلك أكل مال اليتيم بغير حقّ ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً . وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ : الإدلاء في الأصل : إرسال الدلو في البئر ، ثم جعل كلّ إلقاء ، أو رفع لقول ، أو فعل إدلاء ، يقال : أدلى بحجته ، أي : أرسلها ، والمراد بالإدلاء هنا : الدفع إلى الحاكم بطريق الرّشوة لأجل تغيير الحكم ، وإضاعة الحق ، وإقامة الباطل . والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل ، الّذي تقدّم ذكره ، وبين الإدلاء إلى الحكّام بالحجج الباطلة ، والدّعاوى الفاسدة . وهو كقوله تعالى : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وقيل : المعنى : لا تصانعوا الحكام بأموالكم ، وترشوهم ؛ ليقضوا لكم بالباطل على غيركم . وهذا القول يترجّح لأن الحكام مظنّة الرّشا ، والحيف في الحكم ، إلا من عصم اللّه ، وهم قليل . لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ أي : لتأخذوا قطعة ، وجزآ ، وقسما من أموال الناس . هذا ؛ والفريق في الأصل يطلق على الجماعة ، والطائفة من الناس ، قال تعالى : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ الآية رقم [ 30 ] من سورة ( الأعراف ) وقال جل ذكره في سورة ( الشورى ) رقم [ 7 ] : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ هذا ؛ والإثم : الباطل ، والمعصية ، والذنب . والإثم : اسم من أسماء الخمرة ، قال الشاعر : [ الوافر ] شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ : أنكم مبطلون ، وتأكلون أموال الناس بالباطل . الإعراب : وَلا : الواو : حرف استئناف . ( لا ) : ناهية . تَأْكُلُوا : فعل مضارع مجزوم ب ( لا ) وعلامة جزمه حذف النون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، أَمْوالَكُمْ : مفعول به ، والكاف في محل جر بالإضافة ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها . بَيْنَكُمْ : ظرف مكان متعلق بالفعل قبله ، والكاف في محل جر بالإضافة . بِالْباطِلِ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من واو الجماعة ، أو من أَمْوالَكُمْ وجملة : وَلا تَأْكُلُوا . . . إلخ مستأنفة لا محل لها ، ولا يوجد مناسبة للعطف على ما قبلها . وَتُدْلُوا : مضارع معطوف على ما قبله ، فهو مجزوم مثله ، وجوز أن يكون منصوبا ب « أن » مضمرة بعد الواو على اعتبارها للمعيّة ، وعلامة الجزم ، أو النصب حذف النون ، والواو فاعله ،