الشيخ محمد علي طه الدرة
420
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وما صام من صامت عن الزّاد بطنه * وأذعن للآثام والشّهوات وليس له من صومه غير جوعه * وقد باء بالخسران والحسرات وقال آخر : [ الطويل ] إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون * وفي بصري غضّ في منطقي صمت فحظّي من صومي هو الجوع والظّما * وإن قلت إنّي صمت يوما فما صمت وينبغي أن تعلم : أنّ اللّه فرض على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في ابتداء الدّعوة إلى الإسلام صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر ، وكانت قريش تصوم يوم عاشوراء ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يصومه ، ولمّا هاجر إلى المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال : « ما هذا ؟ » قالوا : هذا يوم صالح نجّى اللّه فيه بني إسرائيل من فرعون ، فصامه موسى عليه السّلام فنحن نصومه ، فقال : « أنا أحق منكم بموسى عليه الصلاة والسّلام » ، فصامه ، وأمر بصيامه ، فلما فرض اللّه صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة ؛ نسخ فرض ما تقدّم ، وبقيت سنّيته ، كما هو مقرر ومعلوم في الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة . وقد روي : أنّ هذا الصيام لم يزل مشروعا من زمن نوح إلى أن نسخ اللّه ذلك بصيام شهر رمضان . هذا ؛ وفعل المادة واوي : صام ، يصوم ، ومصدره : صوما ، وصواما ، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة ، ومثله : قيام ، مصدر قام يقوم ، فقد ذكر السيوطي رحمه اللّه تعالى في ( همع الهوامع ) في باب الإبدال ما يلي : تبدل الياء بعد كسرة من واو ، هي عين مصدر لفعل معتل العين ، موزون بفعال ، نحو : قام قياما ، وعاد عيادا ، بخلاف عين غير المصدر ، كصوان وسواك ، والمصدر المفتوح أوله كرواح ، أو المضمون كقوار ، والمكسور الذي لم تعلّ عين فعله ، ك « لاوذ ، لواذا » و « عاود عوادا » ، أو الموزون بفعل كالحول ، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين ، أو معتلها ، صحيح اللام ، موزون بفعال كثوب وثياب ، وحوض وحياض ، ودار وديار ، وريح ورياح ، بخلاف عين المفرد . انتهى . كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ : يعني من الأمم ، وأنبيائهم ، من لدن آدم إلى عهدكم ، والمعنى : أنّ الصوم عبادة قديمة لم يخل اللّه أمّة إلا وقد فرضه عليها ، كما فرضه عليكم ، وذلك لأنّ الصوم عبادة شاقة ، والشيء الشّاقّ إذا عمّ سهل عمله ، وقيل : إنّ أول من صام شهر رمضان نوح ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . هذا ؛ وقيل : إنّ صيام شهر رمضان كان واجبا على النّصارى ، كما فرض علينا ، فصاموا رمضان زمانا ، فربما وقع في الحرّ الشديد ، والبرد الشديد ، وكان ذلك يشقّ عليهم في أسفارهم ، ويضرّهم في معايشهم ، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوه في فصل من السنة ،