الشيخ محمد علي طه الدرة
412
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
مثل إعراب سابقه . بَعْدَ : ظرف زمان متعلق بالفعل قبله ، و بَعْدَ مضاف ، و ذلِكَ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب لا محل له . فَلَهُ : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( له ) : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم . عَذابٌ : مبتدأ مؤخر . أَلِيمٌ : صفة له ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط ، وتتمة الكلام مثل ما قبله بلا فارق . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 179 ] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179 ) الشرح : الْقِصاصُ انظر الآية السابقة . حَياةٌ : بقاء عظيم ، وهذا كلام في غاية الفصاحة ، والبلاغة من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه ، وعرّف الْقِصاصُ ونكّر الحياة ؛ ليدلّ على أن في هذا الجنس من الحكم نوعا من الحياة عظيما ، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل ، فيكون سبب حياة نفسين ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، ويقتلون الجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم ، فإذا اقتصّ من القاتل ؛ سلم الباقون ، ويصير ذلك سببا لحياتهم . انتهى بيضاوي . وهذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل ، بل يدخل فيه جميع الجروح ، والشّجاج ، وغير ذلك ؛ لأن الجارح إذا علم أنّه إذا جرح ؛ جرح ؛ لم يجرح ، فيصير ذلك سببا لبقاء الجارح ، والمجروح ، وربما أفضت الجراحة إلى الموت ، فيقتص من الجارح ، وانظر ما ذكرته في سورة ( المائدة ) رقم [ 38 ] تجد ما يسرك . وقيل في معنى الآية : إنّ الحياة : سلامته من قصاص الآخرة ، فإنّه إذا اقتصّ منه في الدنيا ؛ لم يقتص منه في الآخرة ، وفي ذلك حياته ، وإذا لم يقتصّ منه في الدنيا ؛ اقتص منه في الآخرة . انتهى خازن . وهذا لا يناسب معنى الآية ، ولكن صريح قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من عوقب في الدّنيا ؛ فهو كفّارة له » هو الذي يفيد ما ذكرته ، وانظر سورة ( المائدة ) آية [ 33 ] . هذا ؛ وقد اتّفق علماء البيان على أنّ هذه الجملة : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بالغة أعلى درجات البلاغة . ونقل عن العرب في هذا المعنى قولهم : « القتل أنفى للقتل » ولكن شتّان ما بين الآية الكريمة من البلاغة ، وبين قول العرب ، فقد جعلت الآية الكريمة سبب الحياة القصاص ، وهو القتل عقوبة على وجه التماثل ، وقول العرب جعل سبب الحياة القتل ، ومن القتل ما يكون ظلما ، فيكون سببا للفناء ، وتصحيح العبارة أن يقال : القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما . والآية الكريمة جاءت خالية من التكرار اللفظي ، وقول العرب كرر فيه لفظ ( القتل ) فمسّه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية . وقد ذكر وجوه كثيرة من التفريق بين الآية الكريمة ، واللفظة العربية ، وقد ذكرها السّيوطي في الإتقان . وانظر ما ذكرته في قوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) آية [ 23 ] : لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ .