الشيخ محمد علي طه الدرة

41

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا وفي هذه الآية دليل واضح على أنّ اللّه سبحانه خالق الهدى ، والضلال ، والكفر ، والإيمان ، فاعتبروا أيها السّامعون ، وتعجّبوا أيها المفكرون من عقول القدرية والمعتزلة القائلين بخلق إيمانهم ، وهداهم ، فإنّ الختم هو الطّبع ، فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا ؛ وقد طبع على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وجعل على أبصارهم غشاوة ، فمتى يهتدون ؟ ! أو من يهديهم من بعد اللّه إذا أضلهم ، وأصمهم ، وأعمى أبصارهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ * وكان فعل اللّه ذلك عدلا فيمن أضلّه ، وخذله ؛ إذ لم يمنعه حقّا وجب له ، فتزول صفة العدل ، وإنّما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم ، لا ما وجب لهم . انتهى . قرطبي . أقول : ولو تركهم وشأنهم ؛ لما اختاروا غير الكفر قطعا ، هذا وقد شبه قلوبهم لتأبّيها الحق ، وأسماعهم وأبصارهم لارتفاعها عن تقبل نور الهداية بالوعاء المختوم عليه ، المسدود منافذه ، المغشى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه ، واستعار لفظ الختم ، والغشاوة لذلك بطريق الاستعارة التصريحية ؛ لأنه ليس تغشية على الحقيقة ، وإنما المراد بها أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر ، والمعاصي ، واستقباح الإيمان ، والطاعات . قال سليمان الجمل - رحمه اللّه تعالى - : وحيث أطلق القلب في لسان الشرع ؛ فليس المراد به الجسم الصنوبري الشّكل ؛ فإنه للبهائم ، والأموات ، بل المراد به معنى آخر ، سمّي بالقلب أيضا ، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني ، قيام العرض بمحله ، أو قيام الحرارة بالفحم ، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك ، وترتسم فيه العلوم والمعارف . انتهى . تنبيه : وحّد السمع دون القلوب والأبصار لأمن اللّبس ، ولأنه في الأصل مصدر ، يقال : سمعت الشيء سمعا ، وسماعا ، والمصدر لا يثنى ، ولا يجمع ؛ لأنه اسم جنس ، يقع على القليل ، والكثير ، فلا يحتاج فيه إلى تثنية ، أو جمع ، انتهى . نسفي . وقيل : وحّد السّمع ؛ لأن مدركاته نوع واحد ، وهو الصّوت ، ومدركات القلب والبصر مختلفة ، وإنّما خصّ اللّه تعالى هذه الأعضاء بالذكر ؛ لأنها طرق العلم ، فالقلب محل العلم ، وطريقه إما السّماع وإما الرؤية . انظر سورة ( الملك ) جيدا . وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ قوي مستمرّ ، فهو وعيد ، وبيان لما يستحقّونه ، والعذاب : كالنكال وزنا ومعنى ، تقول : عذب عن الشيء ، ونكل عنه : إذا أمسك ، ومنه : الماء العذب ؛ لأنه يقمع العطش ، ويردعه ، ولذلك سمي نقاحا ، وفراتا . الإعراب : خَتَمَ : فعل ماض . اللَّهُ : فاعله . عَلى قُلُوبِهِمْ : متعلقان بالفعل قبلهما ، والجملة الفعلية مستأنفة ، وفيها معنى التعليل لعدم قبولهم الإيمان . وَعَلى سَمْعِهِمْ : معطوفان على ما قبلهما . وَعَلى أَبْصارِهِمْ : جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم . غِشاوَةٌ : مبتدأ مؤخر ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها ، أو هي مستأنفة ، ولا محل لها على الاعتبارين ، هذا وقال الأخفش : غِشاوَةٌ فاعل بالجار والمجرور ، وهذا يوجب تقدير