الشيخ محمد علي طه الدرة
392
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
السكون في محل رفع مبتدأ . ( لا : ) نافية . يَعْقِلُونَ : مضارع ، والواو فاعله . والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها ، لا محلّ لها ، على الاعتبارين فيها . هذا ؛ ومن الغريب : أنّ الواحدي في كتابه ( البسيط ) قد اعتبر إِلَّا زائدة في هذه الآية ، وأنشد عليه قول الفرزدق : [ الطويل ] هم القوم إلّا حيث حلّوا سيوفهم * وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 172 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) الشرح : نادى اللّه عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف ، وألطف عبارة ، أي : يا من صدقتم اللّه ، ورسوله ، وتحليتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان ! وقد خاطب اللّه عباده المؤمنين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في ثمانية وعشرين موضعا من القرآن ، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر اللّه ، ونواهيه بحسن الطاعة ، والامتثال ، وإنما خصّهم اللّه بالنداء ؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره ، المنتهون عما نهى اللّه عنه ؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر ، أو بنهي . كُلُوا : الأمر مستعمل في كلّ من الوجوب ، والندب ، والإباحة ، الأول : إذا كان لقيام البدن ، والثاني : كالأكل مع الضّيف ، والثالث : في غير ما ذكر . انتهى جمل بتصرف . وقد أمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى ، وأن يشكروه تعالى على ذلك ؛ إن كانوا عبّاده ، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء ، والعبادة كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء ، والعبادة ، كما جاء في الحديث الشريف من قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيّها النّاس إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا ، وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السفر ، أشعث أغبر ، يمد يده إلى السماء : يا ربّ ! يا ربّ ! ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنّى يستجاب له ؟ ! » . رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه ، وأخرجه مسلم ، وأحمد ، والترمذي . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : تليت هذه الآية عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا فقام سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - فقال : يا رسول اللّه ! ادع اللّه أن يجعلني مستجاب الدّعوة ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا سعد ! أطب مطعمك تكن مستجاب الدّعوة ؛ والذّي نفس محمّد بيده ! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه ، ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما ، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت ؛ فالنّار أولى به » . رواه الطّبراني في الصغير .