الشيخ محمد علي طه الدرة

386

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

( ما ) مجرور لفظا ، منصوب محلّا ، وفاعله مستتر فيه : مِنَ النَّارِ : متعلقان ب : ( خارجين ) والجملة الاسمية : وَما هُمْ . . . . إلخ في محل نصب حال من الضّمير الواقع مفعولا به ، والرابط : الواو ، والضمير . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) الشرح : لمّا بيّن اللّه تعالى : أنّه لا إله إلا هو ، وأنّه المستقلّ بالخلق ؛ شرع يبيّن : أنه الرزّاق لجميع خلقه ، مؤمنهم ، وكافرهم ، وصالحهم ، وفاسدهم ، فذكر في معرض الامتنان : أنّه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا مستطابا في نفسه ، غير ضارّ للأبدان ، ولا للعقول ، ونهاهم عن اتّباع خطوات الشّيطان الرّجيم . نزلت الآية الكريمة في بني ثقيف ، وخزاعة ، وعامر بن صعصعة ، وبني مدلج فيما حرّموا على أنفسهم من الحرث ، والأنعام ، والبحيرة ، والسّائبة ، والوصيلة ، والحام . انظر الآية رقم [ 3 ] من سورة ( المائدة ) ، والآية رقم [ 136 ] من سورة ( الأنعام ) وما بعدها ، لترى أعمال أهل الجاهلية . وعن عياض بن حماد - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « يقول اللّه تعالى : إنّ كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال » وفيه : « وإنّي خلقت عبادي ضعفاء ، فجاءتهم الشّياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم » . رواه مسلم ، ومعنى اجتالتهم : صرفتهم عن الهدى إلى الضلالة . هذا ؛ والحلال : المباح الذي أحلّه الشرع ، وانحلّت عقدة الخطر عنه ، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد . والطّيب : ما يستلذّه المسلم ، والمسلم لا يستطيب إلا الحلال ، ويعاف الحرام . هذا ؛ والأمر للإباحة ، لا للوجوب ، و ( من ) دالة على التبعيض ؛ إذ لا يؤكل كل ما في الأرض ، والطّيب : ما يستطيبه الشّرع ، وتقبله الفطرة السّليمة ، والخليقة المستقيمة ، وخذ ما يلي : فعن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : تليت هذه الآية عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أَيُّهَا النَّاسُ . . . إلخ فقام سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنه - فقال : يا رسول اللّه ! ادع اللّه أن يجعلني مستجاب الدّعوة ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا سعد أطب مطعمك ؛ تكن مستجاب الدّعوة ، والّذي نفس محمّد بيده ! إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه ما يتقبّل منه عمل أربعين يوما ، وأيّما عبد نبت لحمه من سحت ؛ فالنّار أولى به » . رواه الطبراني في الصغير . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ : خطواته : زخارفه ، ووساوسه ، وأحابيله ، وتزيينه تحليل الحرام ، وتحريم الحلال . والمعنى : لا تسلكوا سبيله ، ولا تأتمّوا به ، ولا تقفوا آثاره . قال قتادة ، والسّديّ : كلّ معصية للّه فهي من خطوات الشّيطان ، وقال مسروق - رحمه اللّه تعالى - أتي عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - بضرع ، وبلح ، فجعل يأكل ، فاعتزل رجل من