الشيخ محمد علي طه الدرة
376
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
هذا ؛ والفلك بفتحتين مدار النجوم ، وبجمع على فلك بضم الفاء ، وسكون اللام ، وضمّهما أيضا ، وعلى أفلاك أيضا ، والفلك من كلّ شيء : مستداره ، ومعظمه ، والفلكي منسوب إلى عالم الفلك . بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي : الذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب الّتي تصلح بها أحوالهم ، وقد قال من طعن في الدّين : إن اللّه تعالى يقول في كتابكم : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ فأين ذكر التّوابل المصلحة للطعام من الملح ، والفلفل ، وغير ذلك ، فقيل له في قوله تعالى : بِما يَنْفَعُ النَّاسَ . وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني : الأمطار التي بها إنعاش العباد ، وإخراج النبات ، والأرزاق التي بها حياة كلّ ذي روح من الإنسان ، والحيوان ، وهو فحوى قوله تعالى : فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي : فأظهر اللّه النبات من الأرض بعد نزول المطر عليها ، فأظهر حسنها ، وبهجتها ، ونضارتها بعد أن كانت يابسة ، لا نبات فيها ، قال تعالى في سورة ( الحج ) : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ : فرّق ، ونشر ، والبثّ : النشر ، والتفريق ، و دَابَّةٍ : ما يدبّ على الأرض ، من الإنسان ، والحيوان ، والهوام ، والطير ، وغير ذلك ؛ إذ كلّ ماش على الأرض دابّة ، وتجمع على « دواب » ، قال تعالى في سورة ( الأنفال ) : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ . وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ : تصريفها : إرسالها عقيما ، وملقحة ، وصرّا ، ونصرا ، وهلاكا ، وحارة ، وباردة ، وليّنة ، وعاصفة . والرّيح في الأصل الهواء المسخّر بين السماء والأرض ، وهو جسم متحرّك لطيف ، ممتنع بلطفه من القبض عليه ، يظهر للحسّ بحركته ، ويخفى عن البصر بلطفه ، وهو حياة كلّ نام ، من إنسان ، وحيوان ، ونبات ، مثل الماء ، بل الحاجة إليه أشدّ ، وأصله : الرّوح ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، والجمع : أرواح ، ورياح ، وأصل رياح : رواح ، فعل به كما فعل بأصل ريح ، والأكثر في الريح التأنيث ، كما في قوله تعالى : جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وقد تذكّر على معنى الهواء . والرياح الأصول أربع : إحداها : الشّمال ، وتأتي من ناحية الشّمال ، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس ، وهذه الريح حارة في الصيف ، باردة في الشتاء ، والثانية : الجنوب ، وهي مقابلتها ، أي : تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشّمس ، وهي الريح اليمانيّة ، والثالثة : الصّبا بفتح الصّاد ، وتأتي من مطلع الشمس ، وتسمّى : القبول أيضا ، والرابعة : الدّبور ، وتأتي من مغرب الشمس ، وما أتى منها من بين تلك الجهات ؛ يقال لها : النّكباء ، ثمّ إن خرجت من بين الجنوب ، والشرق ؛ قيل لها : أزيب : بفتح الهمزة ، وسكون الزاي ، وفتح الياء ، وإن خرجت من بين الشّمال ، والغرب ، قيل لها : جربيا : بكسر الجيم وسكون الراء ، وكسر الباء ، وإن خرجت من بين الشّمال ، والشرق ، قيل لها : صابية ، وإن خرجت من بين الجنوب ، والغرب ، قيل لها : هيف : بفتح الهاء ، وسكون الياء ، وقد جمع النواحي الثمانية بقوله : [ الطويل ]