الشيخ محمد علي طه الدرة

373

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ وقولك : « هو الحق صريحا أو بينا » وقول سالم بن دارة اليربوعي وهو الشاهد رقم [ 385 ] من كتابنا فتح ربّ البرية : [ البسيط ] أنا ابن دارة معروفا بها نسبي * وهل بدارة يا للنّاس من عار ؟ وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى : في سورة ( ص ) رقم [ 29 ] ( كتاب أنزلناه إليك مباركا ) بالنّصب ؛ لأنّ البركة لا تفارق الكتاب ، وهو القرآن . وأخيرا خذ الحال السببية ، ولم يذكرها أحد من المفسّرين ، ولا المعربين قطعا ، ومثالها قوله تعالى في سورة ( الأنبياء ) : لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ، وقوله تعالى في سورة ( المعارج ) وفي سورة ( ن ) : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ * ف لاهِيَةً و خاشِعَةً حال مما قبلهما في الإعراب ، وعند التأمل يتبيّن لك : أنهما حالان ممّا بعدهما ، وهذا كما في النعت السببي في قولك : مررت برجال كريم آباؤهم ، وبنسوة كريم آباؤهن ، فكريم صفة لما قبله في الإعراب ، وهو في الحقيقة صفة لما بعده . تأمل ، وتدبر ، وربك أعلم ، وأجلّ ، وأكرم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 163 ] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 163 ) الشرح : ( إِلهُكُمْ ) : خطاب عام لجميع الناس ، أي : هو المستحقّ منكم العبادة . واحِدٌ : لا شريك له هو الذي يصح أن يعبد ، أو يسمى إلها . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ : تقدير للوحدانية ، ودفع لأن يتوهم : أنّ في الوجود إلها آخر . سبب نزول هذه الآية : أنّ كفار قريش قالوا : يا محمد ! صف لنا ربك ، وانسبه ! فأنزل اللّه هذه الآية ، وسورة ( الإخلاص ) ومعنى الوحدة : الانفراد ، وحقيقة الواحد هو الشيء الذي لا يتبعّض ، ولا ينقسم ، والواحد في صفة اللّه : أنه واحد ، لا نظير له ، وليس كمثله شيء . وقيل : واحد في ألوهيته ، وربوبيته ، ليس له شريك ؛ لأنّ المشركين أشركوا معه الآلهة ، فكذبهم اللّه تعالى بقوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يعني : لا شريك له في مصنوعاته ، وواحد في ذاته ، لا قسيم له ، وواحد في صفاته ، لا يشبهه شيء من خلقه . انتهى خازن . الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ : يعني : أنّه المولى لجميع النّعم ، أصولها ، وفروعها ، فلا شيء سواه بهذه الصّفة ؛ لأنّ كلّ ما سواه إمّا نعمة ، وإما منعم عليه ، وهو المنعم على خلقه ، الرّحيم بهم ، وعن أسماء بنت يزيد - رضي اللّه عنها - ، قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « اسم اللّه الأعظم في هاتين الآيتين : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . . إلخ ، وفاتحة آل عمران : ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » . أخرجه أبو داود ، والترمذيّ ، وقال : حديث صحيح . وقيل : لما نزلت هذه الآية قال المشركون : إن محمدا يقول : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فليأتنا بآية إن كان صادقا ، فأنزل اللّه الآية التالية . انتهى خازن . وإذا علمت : أنّ السورة مدنية ؛ فلم يبق ما عزي إلى المشركين صحيحا . واللّه أعلم .