الشيخ محمد علي طه الدرة
307
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
والشرّ ، وقال تعالى في حقّ بني إسرائيل : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ وأصل الابتلاء : الامتحان ، والاختبار ؛ ليظهر للناس حال الإنسان ، واللّه تعالى عالم بحال الإنسان من الأزل إلى الأبد ، فالمراد : أنه عامله معاملة المختبر ؛ ليظهر ذلك للخلق . هذا ؛ ولقد اختلف في الكلمات التي اختبر اللّه بها إبراهيم ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، فقال عكرمة : عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : هي ثلاثون من شرائع الإسلام : عشر في ( براءة ) : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الآية رقم [ 112 ] ، وعشر في ( الأحزاب ) : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ . . . إلخ الآية رقم [ 35 ] وعشر في ( المؤمنون ) : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . . . . وقال طاوس - رحمه اللّه تعالى - عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : ابتلاه اللّه بعشرة أشياء هي الفطرة : خمس في الرأس الشّامل للوجه : قصّ الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس ، وخمس في الجسد : تقليم الأظافر ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، والاستنجاء بالماء . وإنّي أعتمد هذا . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . وفي الصّحيحين عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقصّ الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط » . وفي الخبر : أنّ إبراهيم عليه السّلام أول من قص الشارب ، وأول من اختتن ، وكان عمره ثمانين سنة ، في رواية ثانية : مئة وعشرين سنة ، وهو أول من قلّم الأظفار ، وأوّل من رأى الشيب ، فلمّا رآه ؛ قال : يا ربّ ، ما هذا ؟ قال : الوقار ، قال : يا ربّ زدني وقارا . فَأَتَمَّهُنَّ : قام بهن على الوجه الأكمل . قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً : قدوة في الخير ، فالمعنى : جاعلك للناس إماما يأتمّون بك في هذه الخصال ، ويقتدي بك الصّالحون ، فجعله اللّه تعالى إماما لأهل طاعته ، فكذلك اجتمعت الأمم على الدّعوى فيه . هذا ؛ والإمام : الطريق . والكتاب : إمام . قال تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ . ولا تنس دعوة عباد الرحمن في سورة ( الفرقان ) : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً فعلم : أنّ المراد من الإمامة في الآية الكريمة الإمامة في الدّين ، والطاعة ، والعبادة ، ولو كانت الإمامة الدّنيوية ؛ لخالف ذلك الواقع ؛ إذ نالها كثير من الظالمين . قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي : أي : نسلي ، وعقبي ، وهي تقع على الجمع كما هنا ، وكما في قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً . وتقع على الواحد ، كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا عليه الصلاة والسّلام : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً قيل : هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال ، وهي كل ما استذريت به ، يقال : أنا في ظلّ فلان ، وفي ذراه ، أي : في كنفه ، وستره ، وتحت حمايته ، وهو بضم الذّال : أعلى الشيء . وقيل : مشتقة من الذّرء ، وهو الخلق ، قال تعالى : قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وقال تعالى : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ .