الشيخ محمد علي طه الدرة

291

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 112 ] بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) الشرح : بَلى : فيه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ، وانظر شرح بَلى في الآية رقم [ 81 ] . مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ : انقاد لأوامره بكليته . وخصّ الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ، وفيه أكثر الحواس ، ولأنه موضع السّجود ، ومظهر آثار الخشوع ، والخضوع ، وفيه مظهر العزّ ، والذّل ، والسّرور ، والغمّ ، والهمّ ، وغير ذلك ، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشّيء ، قال اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ رقم [ 20 ] من سورة ( آل عمران ) ، وإذا جاء العبد بوضع وجهه على الأرض في السّجود . فقد جاء بجميع أعضائه ، قال زيد بن عمرو بن نفيل - وهو من المتحنّفين في الجاهلية - : [ المتقارب ] وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا يعني بذلك : استسلمت لطاعة من استسلمت لطاعته الأرض ، والمزن . وَهُوَ مُحْسِنٌ أي : في عمله ، وله شرطان : أحدهما : أن يكون خالصا للّه تعالى ، والثاني : أن يكون صوابا موافقا للشّريعة ؛ التي جاء بها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمتى اختلّ شرط منهما ؛ كان العمل غير مقبول قطعا . فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ : ثوابه مدّخر عند ربه يوفيه إياه يوم القيامة ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى اللّه بقلب سليم . وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي : فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من أهوال يوم القيامة ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدّنيا ، وليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة ، وخوفها على المطيعين ، إلا أنّه يخفّف عنهم ، وإذا صاروا إلى رحمته ؛ فكأنهم لم يخافوا . هذا ؛ والحزن : ضدّ السرور ، ولا يكون إلا على ماض ، وحزن الرّجل ، وأحزنه غيره ، وحزّنه أيضا ، مثل : سلكه ، وأسلكه ، قال اليزيدي : حزّنه لغة قريش ، وأحزنه لغة تميم ، وقد قرئ بهما إلا في سورة ( الأنبياء ) فإنّه في الأولى فقط قوله تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وهي أفصح اللّغتين . الإعراب : بَلى : حرف جواب ، تبتدأ بعده الجمل . مَنْ : اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ . أَسْلَمَ : فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، والفاعل يعود إلى مَنْ تقديره : هو . وَجْهَهُ : مفعول به ، والهاء في محل جر بالإضافة . لِلَّهِ : متعلقان بالفعل قبلهما . وَهُوَ مُحْسِنٌ : مبتدأ ، وخبر ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل : أَسْلَمَ المستتر ، وهذه الحال مؤكدة ؛ لأنّ من أسلم وجهه ؛ فهو