الشيخ محمد علي طه الدرة
287
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
هو الذي ذمّه اللّه في كتابه في قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إيّاكم والحسد فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب » أو قال : « العشب » . أخرجه أبو داود ، وغيره عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، وانظر ما ذكرته في سورة ( الفلق ) وفي الآية رقم [ 54 ] من سورة ( النّساء ) تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا أي : اتركوهم ، وأعرضوا عنهم ، فلا تؤاخذوهم ، وكان هذا الأمر بالعفو ، والصّفح قبل أن يؤمر بالقتال ، فنسخ ذلك بقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقوله جلّ ذكره : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . وكذا قال أبو العالية ، وقتادة ، والسّدي : إنّها منسوخة بآية السيف ، ويرشد إلى ذلك أيضا قوله تعالى : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي : بعقابه ، وبعذابه ، وهو القتل ، والسبي لبني قريظة ، والإجلاء ، والنّفي لبني النّضير . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : هو أمر اللّه بقتالهم . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ : انظر الآية رقم [ 106 ] . الإعراب : وَدَّ كَثِيرٌ : فعل ، وفاعل . مِنْ أَهْلِ : متعلقان ب كَثِيرٌ أو بمحذوف صفة له ، و أَهْلِ مضاف ، و الْكِتابِ مضاف إليه . لَوْ : حرف مصدري . يَرُدُّونَكُمْ : فعل مضارع مرفوع ، وفاعله ، ومفعوله الأول . مِنْ بَعْدِ : متعلقان بما قبلهما ، و بَعْدِ مضاف ، و إِيمانِكُمْ مضاف إليه ، والكاف في محل جر بالإضافة . كُفَّاراً : مفعول به ثان ، و لَوْ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل : وَدَّ ، وبعضهم يعتبر لَوْ شرطية امتناعية ، ويقدر لها جوابا كما يلي : لو يردونكم كفارا ، لسروا ، وفرحوا بذلك . والأوّل أقوى ، وأتمّ معنى ، كما اعتبر أبو البقاء : كُفَّاراً حالا من كاف الخطاب ، والمرجّح الأول . حَسَداً : مفعول لأجله ، والعامل فيه : وَدَّ . مِنْ عِنْدِ متعلقان ب حَسَداً أو بمحذوف صفة له ، وجوز تعليقهما بالفعل : وَدَّ ، والأول أقوى معنى وأتمّ سبكا ، و عِنْدِ مضاف ، و أَنْفُسِهِمْ مضاف إليه ، والهاء في محل جر بالإضافة . مِنْ بَعْدِ : متعلقان بالفعل : وَدَّ . ما : مصدرية . تَبَيَّنَ : فعل ماض . لَهُمُ : جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما . الْحَقُّ : فاعل ، و ما والفعل تَبَيَّنَ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بَعْدِ إليه ، التقدير : بعد تبيين الحق لهم ، وجملة : وَدَّ : مستأنفة لا محل لها . فَاعْفُوا : الفاء : فيها أقوال ، فبعضهم يعتبرها عاطفة جملة إنشائية على جملة خبرية ، وابن هشام يعتبرها للسّببيّة المحضة ، وأنا أعتبرها الفاء الفصيحة . ( اعفوا ) : فعل أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتّفريق ، والجملة الفعلية لا محلّ لها ؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم ، التقدير : وإذا حصل من اليهود مثل هذه الأقوال ؛ فاعفوا عنهم ، واصفحوا . ومتعلّق الفعلين محذوف ، التقدير : عنهم .