الشيخ محمد علي طه الدرة

256

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

في أقوالكم ؛ لأنّ من اعتقد أنّه من أهل الجنة ، كان الموت أحبّ إليه ، من الحياة الدنيا ؛ لما يصير إليه من نعيم الجنة ، ويزول عنه من أذى الدّنيا ، كما قال الإمام عليّ - كرم اللّه وجهه - : لا أبالي أسقطت على الموت ، أم سقط الموت عليّ ؟ وقال عمار بن ياسر - رضي اللّه عنه - بصفين : الآن ألقى الأحبة : محمدا ، وحزبه . وقال ذلك بلال - رضي اللّه عنه - عند احتضاره ، وقال حذيفة - رضي اللّه عنه - حين احتضر : [ المتقارب ] وجاء حبيب على فاقة * فلا أفلح اليوم من قد ندم خالِصَةً : مصدر ، كالعافية ، والعاقبة ؛ بمعنى : الخلوص ؛ أي : خاصّة بكم ، لا يشارككم فيها أحد . فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فسلوا اللّه الموت ، قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لو تمنّى اليهود الموت ؛ لماتوا ، ولو تمنّوا الموت ؛ لشرق أحدهم بريقه . وقال ابن جرير : وبلغنا أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لو أن اليهود تمنوا الموت ؛ لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النّار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لرجعوا لا يجدون أهلا ، ولا مالا . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة ( الجمعة ) رقم [ 6 ] : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ . . . إلخ ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي : في دعواكم : أنّ الجنة لكم دون غيركم ، وانظر التمنّي في الآية رقم [ 78 ] . الإعراب : قُلْ : فعل أمر ، وفاعله مستتر تقديره : « أنت » . إِنْ : حرف شرط جازم . كانَتْ : فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط ، والتاء تاء التأنيث . لَكُمُ : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ( كان ) تقدم على اسمها . الدَّارُ : اسم ( كان ) المؤخر ، وهو على حذف مضاف ؛ إذ التقدير : نعيم الدار ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه . الْآخِرَةُ : صفة الدَّارُ . عِنْدَ ظرف مكان متعلق ب خالِصَةً و دُونِ مضاف ، و النَّاسِ : مضاف إليه . خالِصَةً : حال من : الدَّارُ الْآخِرَةُ ، مِنْ دُونِ : متعلقان ب خالِصَةً . هذا وجه لإعراب هذه الجملة ، وهناك وجه ثان ، وهو : أن خالِصَةً : خبر : ( كان ) ، و لَكُمُ متعلقان ب خالِصَةً أو ب ( كان ) عند من يجيز التعليق بها ، و عِنْدَ متعلق ب خالِصَةً . ووجه ثالث ، وهو أنّ الخبر متعلق بالظرف : عِنْدَ ، و خالِصَةً حال من الدار ، والعامل فيها إمّا عِنْدَ أو ما يتعلق به ، أو ( كان ) أو لَكُمُ على اعتبارهما متعلقين ب ( كان ) . فَتَمَنَّوُا : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( تمنوا ) : فعل أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتّفريق . الْمَوْتَ : مفعول به ، والجملة : ( تمنوا الْمَوْتَ ) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور ، والدسوقي يقول : لا محل لها ؛ لأنها لا تحل محلّ المفرد ، وجملة : ( كانَتْ ) لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية ، ويقال : لأنها جملة شرط غير ظرفي ، والشرط ، ومدخوله في محل نصب مقول القول ، وجملة : قُلْ . . . إلخ مستأنفة لا محل لها ، وقيل : كرر