الشيخ محمد علي طه الدرة
234
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ملابسة . وقيل : لما كانت ملّتهم واحدة ، وأمرهم واحد ، وكانوا في الأمم كالشّخص الواحد ؛ جعل قتل بعضهم بعضا ، وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ، ونفيا لهم ، وقد قال نبيّنا المعظم صلّى اللّه عليه وسلّم في حجّة الوداع : « إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم » . وهو يريد دماء وأموال المؤمنين ؛ لأن المؤمنين إخوة ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل المؤمنين في توادّهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو ؛ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى » . وفي رواية : « إن اشتكى عينه ؛ اشتكى كلّه ، وإن اشتكى رأسه ؛ اشتكى كلّه » . هذا ؛ والسّفك : الصّبّ ، والإراقة ، ولا يستعمل إلا في الدّم ، قال في المصباح : وسفك الدّم : أراقه ، وبابه ضرب ، وانظر شرح الدم في الآية رقم [ 30 ] . ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ أي : بالميثاق ، واعترفتم بلزومه . وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ : على أنفسكم بذلك . هذا ؛ والخطاب للأبناء بما فعل آباؤهم ، والغرض من ذلك توجيه التوبيخ والتقريع إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الخبث ، والمكر ، والخداع ، ومخالفة أوامر اللّه ، ومخالفة رسله ، ومعناه : أنتم تشهدون على أسلافكم بما قبلوا ، وأقرّوا به . هذا ؛ و دِيارِكُمْ جمع : دار ، وهي مؤنثة وقد تذكر ، وهي منزل الإنسان ومسكنه ، أصلها : « دور » بفتحتين ، قلبت الواو ألفا لتحركها ، وانفتاح ما قبلها ، وجمعها : ديار ، دور ، وأدؤر ، وأدور ، ، أدورة ، وأدوار ، ودورات ، وديارات ، ودوران ، وديران ، وأصل : ديار : دوار ، وأدور ، قلبت الواو ياء ؛ لأنها وقعت عينا في جمع على وزن فعال لمفرد اعتلّت عينه بالقلب . هذا ؛ والدار أيضا : البلد ، والقبيلة ، ودار القرار : الآخرة ، والداران : الدنيا ، والآخرة ، ودار الحرب : بلاد العدو . هذا ؛ وقال أبو حاتم : إنّ الديار العساكر ، والخيام ، لا البنيان ، والعمران ، وإن الدّار البنيان ، والعمران ، وعليه قوله تعالى : فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * أي : في عساكرهم ، وخيامهم ميتين ، وقال جلّ شأنه : فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * أي : في مدينتهم المعمورة ، ولو أراد غير ما قيل ؛ لجمع الدار ، فعلم من كلامه : أنّ الديار مخصوصة بالخيام . انتهى . قال صاحب الخزانة : وهذه غفلة عن قول الشّاعر ، وهو مجنون ليلى : « أقبّل ذا الجدار » وهو حائط البيت ، وذلك في قوله ، وهو الشاهد رقم [ 903 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الوافر ] أمرّ على الدّيار ديار ليلى * أقبّل ذا الجدار ، وذا الجدارا وما حبّ الدّيار شغفن قلبي * ولكن حبّ من سكن الدّيارا الإعراب : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ : هذا الكلام معطوف على مثله في الآية السابقة ، وهو مثله في إعرابه . لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ : إعرابها ومحلها مثل : لا تَعْبُدُونَ . . . في الآية السابقة . وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ : معطوفة على ما قبلها ، وهي مثلها في إعرابها ، ومحلّها . أَقْرَرْتُمْ : فعل وقاعل ، والجملة الفعلية قيل : معطوفة على جملة محذوفة : التقدير : قبلتم ، ثمّ أقررتم . وقيل : هي معطوفة على جملة : أَخَذْنا فتكون في محل جرّ مثلها . وَأَنْتُمْ : الواو : واو