الشيخ محمد علي طه الدرة

231

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

أخذه عليهم ، وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم ، وهو قوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ * . وعبادة اللّه : إثبات توحيده ، وتصديق رسله ، والعمل بما أنزل في كتبه . وانظر ما ذكرته في سورة الفاتحة : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً : يراد في هذا اللفظ : الأب ، والأم ، ففيه تغليب الأب على الأم ، وأيضا في لفظ « الأبوين » ، وفيه إشعار بتفضيل الأب على الأم ، والذّكر على الأنثى . والإحسان إلى الأبوين يكون بالقول ، والفعل ، والإنفاق عليهما عند عجزهما ، واحتياجهما . وانظر ما ذكرته في سورة ( الإسراء ) رقم [ 23 ] في هذا الصدد ، وانظر سورة ( النساء ) رقم [ 36 ] . وَذِي الْقُرْبى أي : القرابات من جهة الأب ، ومن جهة الأم ، وهم الأرحام . وانظر ما ذكرته في سورة ( الرعد ) رقم [ 23 ] في حقّهم . وَالْيَتامى : جمع : يتيم ، وهو من فقد أباه ، أو أمه ، أو فقدهما معا ، وقد يغلب أن يكون المراد من فقد معيله ، وهو الأب من بني آدم ، والأم من الحيوانات ، والطيور ، وهناك يتيم العقل ، والأدب ، والتربية ، والخلق ، والدين ، وهو أسوأ حالا من الأول ، وإن كان قد بلغ من العمر الخمسين ، والسّتين ، ويملك من المال الملايين ، وللّه درّ القائل : [ البسيط ] ليس اليتيم الّذي قد مات والده * إنّ اليتيم يتيم العقل والأدب وخذ قول الآخر : [ الكامل ] ليس اليتيم من انتهى أبواه من * همّ الحياة وخلّفاه ذليلا إنّ اليتيم هو الّذي تلقى له * أمّا تخلّت أو أبا مشغولا وقد ذكرت الإحسان إلى اليتيم والعطف عليه ، وثواب رعايته ، وجزاء كفالته في مناسبات كثيرة ، وآيات عديدة . وَالْمَساكِينِ : انظر الآية رقم [ 176 ] الآتية . وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أي : قولوا لهم قولا ذا حسن ، وقرئ : ( حسنا ) بفتحتين ، و ( حسنا ) بضمتين ، فالأولى قراءة حمزة ، والكسائي ، والثانية قراءة عيسى بن عمرو ، وهي غير سبعية ، والمعنى : قولوا لهم الطّيّب من القول ، وجازوهم بأحسن ما يحبّون أن يجازوا به ، وهذا كلّه حضّ على مكارم الأخلاق ، فينبغي للإنسان أن يكون قوله لينا ، ووجهه منبسطا طلقا مع البرّ ، والفاجر ، والسّنّيّ ، والمبتدع من غير مداهنة ؛ لأن اللّه تعالى قال لموسى ، وهارون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى الآية رقم [ 44 ] من سورة ( طه ) . والمأمور بذلك اليهود ، والنصارى ، والمسلم أولى بذلك . وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ انظر الآية رقم [ 43 ] ، وَآتُوا : أصله : « آتيوا » فاستثقلت الضمة على الياء ، فحذفت ، فصار : « آتوا » بعد حذف الياء ، ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو فصار : ( آتوا ) . ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ : انظر الآية رقم [ 64 ] ، والخطاب لليهود معاصري محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأسند إليهم تولّي أسلافهم ؛ إذ هم كلّهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحقّ مثلهم ، كما قيل : « شنشنة أعرفها من أخزم » . إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ أي : من آبائكم