الشيخ محمد علي طه الدرة

222

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

من الإعراب ، أو هي معطوفة على الجمل السابقة الواقعة حالا . ويبعده : أن الاستفهام إنشاء ، والإنشاء لا يقع حالا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 78 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) الشرح : لمّا ذكر اللّه تعالى علماء السوء من اليهود الّذين حرفوا ، وبدّلوا ؛ ذكر العوام الذين قلّدوهم ، وبيّن : أنّهم في الضلال ، والمآل سواء ، فقال تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي : ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام لا يعرفون القراءة ، والكتابة ؛ ليطلعوا على ما فيها بأنفسهم ، ويتحقّقوا بما فيها . أُمِّيُّونَ جمع : أمّي ، وهو من لا يحسن القراءة ، والكتابة ، وهي صفة ذمّ إلا في حق نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّها له صفة مدح ؛ لأنه أتى بعلوم الأولين والآخرين ، كما رأيته في الآية رقم [ 156 ] من سورة ( الأعراف ) ، والحمد للّه ! وأمّيّ منسوب إلى الأم التي ولدته ، أو إلى الأمة ، وهي القامة ، والخلقة ، كأنّ الذي لا يقرأ ، ولا يكتب قائم على الفطرة ، والجبلّة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّا أمّة أميّة ، لا نكتب ، ولا نحسب ، الشّهر هكذا ، وهكذا ، وهكذا . . . » الحديث . أو منسوب إلى الأمة ؛ لأنها ساذجة قبل أن تعرف المعارف ، والمراد بالكتاب : التوراة . إِلَّا أَمانِيَّ أي : أكاذيب ، جمع : أمنيّة بتشديد الياء وتخفيفها فيها ، قال أبو حاتم رحمه اللّه تعالى : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد ؛ فلك فيه التشديد ، والتخفيف مثل : أثافي ، وأغاني ، أماني ، ونحوه ، وهذا من قولهم : مان الرجل في حديثه مينا ، وتمنّى تمنيا ، أي : كذب ، ومنه قول عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - : ما تمنيت منذ أسلمت ! أي : ما كذبت ! . أو هي جمع أمنية من التمنّي ، وهو : طلب محبوب لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا ، أو بعيد الوقوع ، وإذا كان متوقّع الحصول ؛ فإنّ ترقّبه يسمّى : ترجيا ، وعليه فالأماني التي يتمنّاها سفلة اليهود ، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة من أنّ الجنّة لا يدخلها إلا من كان هودا ، وأنّ النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة ، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، وأنّهم أبناء اللّه ، وأحباؤه ، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة . هذا ؛ والأماني جمع : أمنية بمعنى التلاوة ، والقراءة ، وأصلها : أمنوية ، على وزن : أفعولة ، فقل في إعلاله : اجتمعت الواو ، والياء ، والأول ساكن ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، ثم قلبت ضمّة النون كسرة لمناسبة الياء ، فصارت أمنية . والمعنى : أن سفلة اليهود لا يقرؤون التّوراة إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى . هذا ؛ و « تمنى » بمعنى : قرأ ، وقيل به في قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآية رقم [ 52 ] من سورة ( الحج ) ، أي : إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ، انظر شرحها هناك ، فإنّه جيد ، والحمد للّه ! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - : [ الطويل ]