الشيخ محمد علي طه الدرة

212

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

التأثر بالعظات ، والقوارع الّتي تميع منها الجبال ، وتلين بها الصخور . هذا ؛ وأصل الفعل : « قسى » فلما اتصلت به تاء التأنيث صار : « قسات » فحذفت الألف لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث فصار : « قست » . هذا ؛ والقلب : قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة ، خلقها اللّه في الآدمي ، وجعلها محلّا للعلم ، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار ، يكتبه اللّه بالخطّ الإلهي ، ويضبطه بالحفظ الربّاني حتّى يحصيه ، ولا ينسى منه شيئا ، وهو بين لمّتين : لمة من الملك ، ولمة من الشّيطان ، - كما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - ، فأمّا لمّة الملك ؛ فإيعاد بالخير ، وتصديق بالحقّ ، وأما لمّة الشيطان ؛ فإيعاد بالشرّ ، وتكذيب بالحقّ ، من وجد الأول ؛ فيعلم : أنه من اللّه ، ويحمد اللّه ، ومن وجد الثاني ؛ فليعوذ باللّه من الشّيطان ، ثم قرأ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ الآية رقم [ 267 ] الآتية . هذا واللّمة بفتح اللام : الخطرة الواحدة . من : الإلمام ، وهو القرب من الشيء ، والمراد بها في الحديث : التي تقع في القلب من خير أو شرّ ، فأما لمّة الشيطان ؛ فوسوسة ، وأما لمّة الملك ؛ فإلمام من اللّه تعالى . هذا وسمّي القلب قلبا لأنّه يتقلّب ؛ قال الشاعر : [ الطويل ] وما سمّي الإنسان إلا لأنسه * ولا القلب إلّا أنّه يتقلّب مِنْ بَعْدِ ذلِكَ : من بعد المعجزات التي جاء بها موسى عليه السّلام ، ولهذا نهى اللّه المؤمنين عن مثل حالهم ، فقال تعالى في سورة ( الحديد ) : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ . فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً : اختلف العلماء في معنى ( أَوْ ) هنا ، بعد استحالة كونها للشكّ ، فقال بعضهم : هي هنا بمعنى الواو ، كقوله تعالى في سورة ( الدّهر ) : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً وقوله تعالى في سورة ( المرسلات ) : عُذْراً أَوْ نُذْراً ، وكما قال جرير في مدح الخليفة الصّالح - وهو الشاهد رقم [ 96 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ البسيط ] جاء الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربّه موسى على قدر أي : وكانت . وقيل : هي بمعنى « بل » كقوله تعالى في سورة ( النساء ) رقم [ 77 ] : إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وكقوله تعالى في سورة ( الصافات ) رقم [ 147 ] : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وقال جرير في مدح هشام بن عبد الملك - وهو الشاهد رقم [ 101 ] من كتابنا المذكور - : [ الطويل ] ماذا ترى في عيال قد برمت بهم * لم أحص عدّتهم إلّا بعدّاد ؟ كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية * لولا رجاؤك قد قتّلت أولادي