الشيخ محمد علي طه الدرة

195

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

عرفت ذاته ، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه ، فإذا أردت هذا المعنى ، لم يتجاوز مفعولا ؛ لأنّ المعرفة تناول الشيء نفسه ، ولم يقصد إلى غير ذلك ، وإذا قلت : علمت زيدا قائما ، لم يكن المقصود : أنّ العلم تناول نفس زيد فحسب ، وإنّما المعنى : أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصّفة . اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ : تجاوزوا الحدّ الذي حدّه اللّه لهم في يوم السبت ، وهو أحد أيام الأسبوع المعروفة . قال ابن عطية : والسبت إما مأخوذ من السبوت الذي هو الرّاحة ، والدّعة ، وإما من السبت وهو القطع ؛ لأن الأشياء سبتت ، وتمّ خلقها في أيام الأسبوع الستّة قبله . انتهى بتصرف . هذا والسّبت بكسر السين : الجلد المدبوغ بالقرظ ، ولم ينجرد من شعره . وقال أبو زيد : السّبت جلود البقر خاصّة مدبوغة ، قال عنترة في معلّقته ، وهو الشاهد رقم [ 306 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » : [ الكامل ] بطل كأنّ ثيابه في سرحة * يحذى نعال السّبت ليس بتوءم فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا . . . إلخ : هذا الأمر معناه : الإهانة ، والتّحقير ، وقال بعضهم : هذا أمر تسخير ، وتكوين ، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة . خاسِئِينَ : صاغرين ، ذليلين ، حقيرين ، مبعدين من رحمة اللّه . هذا ؛ وقرئ : ( قردة ) بفتح القاف ، وكسر الراء ، و ( خاسين ) بدون همز . تنبيه : ما ذكر في هذه الآية كان في زمن داود - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - بقرية يقال لها : أيلة على شاطئ البحر الأحمر ، وتدعى اليوم : « إيلات » وهي مرفأ هام لليهود على البحر الأحمر ، يروى : أنّ اللّه تعالى اختار لهم يوم الجمعة ، ليكون يوم راحة ، وعبادة ، ونظافة ، وغير ذلك ، فأبوا ، وقالوا : فرغ ربّنا من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة ، واستراح يوم السبت ، فنحن نختاره لذلك ، فشدّد اللّه عليهم بأن حرّم عليهم أي عمل دنيوي ما عدا العبادة ، والنظافة ، وأمثالها ، وكانت معيشة أهل تلك البلدة من صيد الأسماك ، لا مورد لهم غيره ، فابتلاهم اللّه ، أي : اختبرهم ، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السّبت ، وأقبل نحوهم ، فإذا مضى يوم السبت ؛ ذهبت الحيتان في أعماق البحر ، فلم يتمكّنوا من الصيد طوال أيام الأسبوع ، كما قال تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 163 ] : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . فظهر لهم الشّيطان ، وقال لهم : احفروا حياضا قرب البحر ، وافتحوا جداول بينها وبين البحر ، وكانت الحيتان تدخل الحياض يوم السبت ، ويصطادونها يوم الأحد ، فنهاهم نبيهم عن فعلهم هذا ، فصاروا ثلاث فرق ، وكانوا سبعين ألفا ، فرقة أمسكت ، ونهت ، وفرقة أمسكت ، ولم