الشيخ محمد علي طه الدرة
192
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ذلك ببيان ما حل بهم من نقم جزاء كفرهم ، وعصيانهم ، وتمرّدهم على اللّه ، فقد كفروا النعمة ، ونقضوا الميثاق ، واعتدوا في السّبت ، فمسخهم اللّه إلى قردة . وهكذا شأن كلّ أمّة عتت عن أمر ربها ، وعصت رسله . وإنما قال : مِيثاقَكُمْ ولم يقل : مواثيقكم ؛ لأن المراد ميثاق كل واحد منكم ، كقوله تعالى في سورة ( الحج ) رقم [ 5 ] : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي : يخرج كلّ واحد منكم طفلا . وقال بعض أهل اللّطائف : كانت نفوس بني إسرائيل خبيثة من ظلمات عصيانها ، تخبط في عشواء حالكة الجلباب ، وتخطر في غلوائها ، وعلوّها في حلّتي كبر ، وإعجاب ، فلما أمروا بأخذ التوراة ، ورأوا ما فيها من أثقال ؛ ثارت نفوسهم ، فرفع اللّه عليهم الجبل ، فوجدوه أثقل ممّا كلفوه ، فهان عليهم حمل التوراة ، قال الشاعر : [ الطويل ] إلى اللّه يدعى بالبراهين من أبى * فإن لم يجب نادته بيض الصّوارم هذا كلّه من صفوة التّفاسير بتصرّف بسيط . كان سبب رفع الجبل فوقهم : أنّ بني إسرائيل سألوا موسى أن يأتيهم بكتاب من عند ربه ؛ ليحكم بينهم فيه ، فسأل ربّه ، فأعطاه التّوراة ، فلما رأوا ما فيها من التكاليف الشاقّة ؛ كبرت عليهم ، فأبوا قبولها ، فأمر اللّه تعالى جبريل عليه السّلام ، فقلع جبل الطّور من مكانه ، وكان على قدر عسكرهم ، وفوق رؤوسهم قدر قامتهم كالظلة ، وقيل لهم : إن لم تقبلوا التّوراة ؛ وإلا أنزلته عليكم ، فقبلوها مكرهين ، وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى ، وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى ، وهم سجود ، فصار ذلك سنّة في سجود اليهود ، لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ، وقالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها اللّه ، ورحم بها عباده ، فلما رفع عنهم الجبل رجعوا إلى الامتناع . وهو ما تفيده الآية التالية . خُذُوا ما آتَيْناكُمْ : اقبلوا التوراة ، والتعاليم الإلهيّة . بِقُوَّةٍ بجدّ ، واجتهاد ، وكثرة درس ، ونيّة ، وإخلاص ، واذكروا ما فيه ، أي : تدبّروه ، واحفظوا أوامره ، ووعيده ، ولا تنسوه ، ولا تضيعوه . هذا ؛ والمقصود من الكتب التي يقرؤها كلّ واحد أن يعمل بمقتضاها ، ولا يكتفي بتلاوتها باللّسان ، فإنّ ذلك نبذ لها على ما قاله الشّعبيّ ، وابن عيينة . وقد روى النّسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن من شرّ النّاس رجلا فاسقا يقرأ القرآن ، لا يرعوي إلى شيء منه » ، وقال الإمام مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه . فما لزم إذا من قبلنا ، وأخذ عليهم ؛ فهو لازم لنا ، وواجب علينا ، قال اللّه تعالى في سورة ( الزمر ) رقم [ 55 ] : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ فأمرنا باتباع كتابه ، والعمل بمقتضاه ، لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود ، والنصارى ، وبقيت أشخاص الكتب ، والمصاحف لا تفيد شيئا لغلبة الجهل ، وطلب الرئاسة ، واتّباع الأهواء . وروى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدّرداء - رضي اللّه عنه - قال : كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فشخص ببصره إلى السّماء ، ثم قال : « هذا أوان