الشيخ محمد علي طه الدرة

189

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

هذا ؛ والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا الّذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : هم الذين آمنوا بالأنبياء السابقين قبل بعثته . وقال سفيان الثّوري : المراد : المنافقون ، كأنّه قال : الذين آمنوا في ظاهرهم ، فلذلك قرنهم باليهود ، والنصارى ، والصابئين ، ثم بيّن حكم من آمن باللّه واليوم الآخر من جميعهم . وَالَّذِينَ هادُوا : هم اليهود سمّوا بذلك لمّا تابوا من عبادة العجل ، من : « هاد » بمعنى : تاب ، ورجع ، ومنه قوله تعالى حكاية عن قولهم : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ الآية رقم [ 156 ] من سورة ( الأعراف ) ، أو سمّوا بذلك نسبة إلى يهودا بن يعقوب ، وهو أكبر أولاده . ( النَّصارى ) جمع نصراني ، سمّوا بذلك لأنّهم نصروا عيسى عليه السّلام ، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها : نصران ، أو ناصرة ، فسمّوا باسمها ، أو باسم من أسّسها ، والأنثى نصرانة ، كندمانة ، قال أبو الأخزر الحماني في وصف ناقتين : [ الطويل ] فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها * كما أسجدت نصرانة لم تحنّف قال سيبويه : لا يستعمل نصران ، ونصرانة إلا مع ياء النّسب ، فيقال : نصراني ، ونصرانيّة . وقيل : سموا بذلك لقوله تعالى حكاية عن قول عيسى في آخر سورة ( الصّف ) : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ، وأيضا في ( آل عمران ) رقم [ 52 ] . ( الصَّابِئِينَ ) وقرأ نافع : ( الصابين ) بدون همز ، جمع صابئ ، واختلف فيهم ، وأظهر الأقوال قول مجاهد ، ومتابعيه ، ووهب بن منبه : إنّهم قوم ليسوا على دين اليهود ، ولا النّصارى ، ولا المجوس ، ولا المشركين ، إنّما هم قوم باقون على فطرتهم ، ولا دين لهم مقرّر يتّبعونه ، ويقتفونه ، ولهذا كان المشركون ينبذون من أسلم بالصّابئ ؛ أي : أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك . وقال عبد الرحمن بن زيد - رحمه اللّه تعالى - : الصابئون : أهل دين من الأديان ، كانوا بجزيرة الموصل ، يقولون : لا إله إلا اللّه ، وليس لهم عمل ، ولا كتاب ، ولا نبيّ ، إلا قول : لا إله إلا اللّه . انتهى . مختصر ابن كثير بتصرف . وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهم - : لا تحلّ ذبائحهم ، ولا مناكحتهم . وقيل : هم قوم بين اليهود والمجوس ، لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم . وقيل : هم قوم بين اليهود ، والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم ، وهم الذين أمر أبو بكر الصدّيق - رضي اللّه عنه - جيشه بقتلهم أينما وجدوا ، وذلك في وصيته المعروفة المسطورة . مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ : قال الخازن رحمه اللّه تعالى : فإن قلت : كيف قال في أول الآية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وقال في آخرها : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فما فائدة التعميم أولا ، ثمّ التخصيص آخرا ؟ قلت : اختلف العلماء في حكم الآية ، فلهم فيه طريقان : أحدهما : أنه أراد : إنّ الذين آمنوا على التّحقيق . ثمّ اختلفوا فيهم . فقيل : هم الذين آمنوا في زمن الفترة ، وهم طلاب الدّين ، مثل : حبيب النّجار ، وقس بن ساعدة ، وورقة بن نوفل ، وبحيرا الرّاهب ، وأبي ذرّ الغفاري ،