الشيخ محمد علي طه الدرة
182
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
يجيء إلا بالحرث ، والزّراعة ، والتعب ، وأنّهما لا مرية في حلّهما ، وخلوصهما ؛ لنزولهما من عند اللّه ، وما يخرج من الأرض يتخلّله البيع ، والغشّ ، واللّفّ ، والدّوران ، فكان أدنى من هذه الوجوه . اهْبِطُوا مِصْراً أي : انزلوا ، وأصل النزول من أعلى إلى أسفل ، وانظر الآية رقم [ 36 ] ، وصرف مِصْراً لأن المراد به مصر من الأمصار ، فهو نكرة بسبب تنوينه ، وهو قول ابن عباس ، وعكرمة ، ومجاهد ، رضي اللّه عنه . وقيل : بل المراد مصر فرعون ؛ التي كانوا فيها في عهده ، واستدل القائلون بهذا بما في القرآن من أنّ اللّه أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون ، وآثارهم . وأجازوا صرفها ، قال الأخفش ، والكسائيّ : لخفتها ، وشبهها ب « هند » ، و « دعد » يعني بسكون الوسط ، قال الشاعر : [ المنسرح ] لم تتلفّع بفضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب وقال الحطيئة وهو الشاهد رقم [ 43 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » : [ الطويل ] ألا حبّذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النّأي والبعد فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ أي : ما طلبتم من البقول ، والنباتات المذكورة : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي : ألزموها ، وقضي عليهم بها ، كناية عن إحاطتها بهم ، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه . وهذا كان على قبائل اليهود ، وعلى نسلهم إلى زمن قريب ، ويسمّى ذلك استعارة بالكناية ، قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان : [ الكامل ] إنّ السّماحة والمروءة والنّدى * في قبّة ضربت على ابن الحشرج هذا ؛ و الذِّلَّةُ الذلّ ، والصّغار ، والمسكنة ، والفقر ، فلا يوجد يهوديّ - وإن كان غنيّا - خاليا من زي الفقر ، وخضوعه ، ومهانته ، ولقد أذلّهم اللّه كلّ حياتهم ، فبختنصّر المجوسي أذلّهم ، وامتهنهم ، كما سترى في أول سورة الإسراء ، ثمّ النصارى ساموهم العذاب ، ولمّا جاء الإسلام ؛ طردهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة ، ثم طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم ، ثمّ لما فتح بيت المقدس ؛ فرض عليهم الجزية ، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة ، ودولة بسبب تفرّق المسلمين ، وإهمالهم لتعاليم دينهم ، وتركهم لسنة نبيّهم ، وتركهم الجهاد في سبيل اللّه ، وإقبالهم على الدّنيا ، وكأنّ اللّه نزع الذلّة ، والمسكنة من رقاب اليهود ، وألبسها أعناق المسلمين بسبب ذلك . وخذ ما يلي : فعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : أقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « يا معشر المهاجرين ! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ ، وأعوذ باللّه أن تدركوهنّ : لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها ؛ إلّا فشا فيهم الطاعون ، والأوجاع ؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين