الشيخ محمد علي طه الدرة

143

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ : الشّفاعة : التوسل ، وابتغاء الخير ، والذي يكون منه التوسّل يسمّى : الشفيع ، والشّفاعة في الدّنيا تكون حسنة ، وتكون سيّئة ، فالأولى هي الّتي روعي فيها حقّ مسلم ، ودفع بها عنه شرّ ، أو جلب إليه الخير ، وابتغي به وجه اللّه ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز ، لا في حد من حدود اللّه ، ولا في حقّ من حقوق العباد . والسّيئة ما كانت بخلاف ذلك . وقيل : الشفاعة الحسنة : هي الدعوة للمسلم ؛ لأنّها بمعنى الشفاعة إلى اللّه تعالى ، فعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من دعا لأخيه بظهر الغيب ؛ استجيب له ، وقال له الملك : ولك مثل ذلك » . فذلك النصيب الذي ذكر بقوله تعالى : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها رقم [ 85 ] من سورة ( النساء ) . وروى مسلم عن أمّ الدرداء - رضي اللّه عنها - قالت : حدّثني سيّدي : أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب ؛ قالت الملائكة : ولك بمثله » . ولا ريب : أنّ المراد بالشّفاعة في هذه الآية : الشفاعة يوم القيامة . والشّفاعة العظمى مختصّة بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ يتلوها شفاعات أخرى ، كما هو معلوم من الدّين ، وأحكامه ، وهو مذهب أهل الحقّ ، والسّنّة ، والجماعة . وأنكر المعتزلة الشّفاعة ، وخلّدوا المذنبين من المؤمنين الذين دخلوا النّار في العذاب ، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيّين هم الذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة ، والنّبيين ، والشّهداء ، والصالحين . قال ابن المنير المعلّق على الكشاف : أمّا من جحد الشفاعة ؛ فهو جدير بأن لا ينالها ، وأما من آمن بها ، وصدّقها - وهم أهل السّنّة والجماعة - فأولئك يرجون رحمة اللّه . ومعتقدهم : أنها تنال العصاة من المؤمنين ، وإنّما ادخرت لهم في الآخرة . انتهى . أقول : والأحاديث في الشفاعة كثيرة مشهورة ، وفي كتب الأحاديث مسطورة . قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : فإن قالوا : قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار ، مثل قوله تعالى في سورة ( غافر ) : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ قالوا : وأصحاب الكبائر ظالمون . وقال تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وفي هذه الآية : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ . قلنا : ليست هذه الآيات عامّة في كلّ ظالم ، والعموم لا صيغة له ، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوآ وكلّ نفس ، وإنما المراد بها : الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك . وانظر قوله تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 79 ] : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً تجد ما يسرّك ، وقد أجمع المفسرون على أنّ المراد ب ( نَفْسٌ ) في هذه الآية النّفس الكافرة ، لا كلّ نفس . انتهى بتصرف . وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ : العدل هو بفتح العين : هو الفداء ، وهو بكسرها : المثل . يقال : عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن ، والقدر . ويقال : عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا ، وإن لم