الشيخ محمد علي طه الدرة
126
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا نهاهم اللّه عن أن يكونوا أول من كفر ، وألا يأخذوا على آيات اللّه ثمنا ؛ أي على تغيير صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الموجودة في التوراة شيء ، وكان الأحبار يفعلون ذلك ، فنهوا عنه . وقيل : المعنى : ولا تشتروا بتغيير أوامري ، ونواهي ، وآياتي ثمنا قليلا ، والمراد : الدنيا ، والعيش الّذي هو منها ، فإنه نزر لا خطر له ، ولا شأن بجانب الجنة ، ونعيمها الدائم ؛ الذي أعدّه اللّه للعاملين بما يعلمون . قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : وهذه الآية وإن كانت نزلت ببني إسرائيل ، فهي تتناول من فعل فعلهم ، فمن أخذ رشوة على تغيير حقّ ، أو إبطاله ، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه ، أو أداء ما علمه - وقد تعيّن عليه - حتى يأخذ عليه أجرا ؛ فقد دخل في مقتضى هذه الآية . وقد روى أبو داود - رحمه اللّه - عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تعلم علما ممّا يبتغى به وجه اللّه ، لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضا من الدّنيا ؛ لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة » . عرف الجنّة : ريحها . وهو بفتح العين . هذا واختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، والعلم لهذه الآية ، وما كان في معناها ، فمنع ذلك الزّهري ، وأصحاب الرأي ، وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم ؛ لأنّ تعليمه واجب من الواجبات ؛ التي يحتاج فيها إلى نية التقرّب ، والإخلاص ، فلا يؤخذ عليها أجرة ، كالصّلاة ، والصيام ، وقد قال تعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا . وروى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قلت : يا رسول اللّه ! ما تقول في المعلمين ؟ قال : « درهمهم حرام ، وثوبهم سحت ، وكلامهم رياء » . وروى عبادة بن الصّامت - رضي اللّه عنه - قال : علّمت ناسا من أهل الصّفّة القرآن ، والكتابة ، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا ، فقلت : ليست بمال ، وأرمي عنها في سبيل اللّه ! فسألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إن سرّك أن تطوّق بها طوقا من نار ؛ فاقبلها » . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن : مالك ، والشّافعيّ ، وأحمد ، وأبو ثور ، وأكثر العلماء ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في حديث الرّقية : « إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه » . أخرجه البخاريّ ، وهو نصّ يرفع الخلاف ، فينبغي أن يعوّل عليه . قال ابن المنذر : وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ، ويجوّز أن يستأجر الرّجل يكتب له لوحا ، أو شعرا ، أو غناء معلوما بأجر معلوم ، فيجوّز الإجارة فيما هو معصية ، ويبطلها فيما هو طاعة . ولا بد من القول : إنّ المعلم إذا لم يكن له دخل يكفيه لمعيشته ، ومعيشة من يعول : فكيف يستطيع التّعليم ، بل والتفرّغ للقيام بالشّعائر الدّينيّة ، وهو بحاجة إلى لقمة العيش ؟ ! وروي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « خير الناس ، وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون ، كلّما خلق الدّين جدّدوه . أعطوهم ، ولا تستأجروهم ، فتحرجوهم ، فإنّ المعلّم إذا قال للصبي : قل : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فقال الصّبيّ : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، كتب اللّه براءة للصّبيّ ، وبراءة للمعلم ، وبراءة لأبويه من النّار » .