الشيخ محمد علي طه الدرة

110

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما : الرّغد : العيش الدّارّ الهنيّ ؛ الّذي لا عناء فيه . قال الشاعر : [ الرمل ] بينما المرء تراه ناعما * يأمن الأحداث في عيش رغد ورغد العيش : من باب : ظرف ، فهو راغد ، وهو في رغد من العيش ، أي : في رزق واسع ، وأرغد القوم : أخصبوا . و ( حيث ) ظرف مكان اتفاقا ، وقد ترد للزّمان ، قال الأخفش : وبه قيل في قول طرفة بن العبد : [ المديد ] للفتى عقل يعيش به * حيث تهدي ساقه قدمه أي : في زمن هدايته ، وتحتمل المكان أيضا ، وفيها ستّ لغات ، بالياء مع الضم والفتح والكسر ، وبالواو مع الضم ، والفتح ، والكسر ، وهي : حيث ، وحيث ، وحيث ، وحوث ، وحوث ، وحوث ، وانظر مبحثها وشواهدها في كتابنا فتح القريب المجيب . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ : لقد اختلف في تعيين هذه الشجرة اختلافا كبيرا ، قال العلامة أبو جعفر بن جرير - رحمه اللّه تعالى - : والصّواب في ذلك أن يقال : إنّ اللّه تعالى نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنّة ، دون سائر أشجارها ، فأكلوا منها ، ولا علم عندنا بأيّ شجرة كانت تدل على التّعيين ؛ لأنّ اللّه تعالى لم يضع دليلا على ذلك في القرآن ، ولا ورد في السنة الصّحيحة بيان له ، وقد قيل : كانت شجرة البرّ . وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التّين ، وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك علم - إذا علم - لم ينفع العالم به علمه ، وإن جهله جاهل ؛ لم يضره جهله ، واللّه أعلم . مختصر ابن كثير . هذا ولقد نهى اللّه عن قرب هذه الشجرة ؛ لأنه أبلغ في النهي عن الأكل ، كما في قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها الآية رقم [ 186 ] الآتية ، انظر شرحها هناك ؛ فإنه جيد ، والحمد للّه ! . هذا ويقال : إنّ أول من أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إيّاها ، وإن أول كلامه كان معها ؛ لأنّها وسواس المخدّة ، وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء ، فقال : ما منعتما من هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد ، لأنّه علم منهما : أنهما كانا يحبان الخلد ، فأتاهما من حيث أحبّا ، فلما قالت حواء لآدم ؛ أنكر عليها ، وذكر العهد ، فألحّ على حواء ، وألحّت حواء على آدم إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إذا أصابني شيء ؛ سلمت أنت ، فأكلت ، فلم يضرّها ، فأتت آدم ، فقالت : كل فإني أكلت فلم يضرّني ، فأكل ، فبدت لهما سوآتهما ، وحصلا في حكم الذنب لقوله تعالى : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فجمعهما في النّهي ، فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتّى وجد المنهي عنه منهما جميعا ، هذا وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم ؛ لرجح حلمه » . وقد قال اللّه تعالى : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً سورة ( طه ) رقم [ 115 ] .