محمد غازي عرابي
713
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
عباد الرحمن أمة ، وهم واحد كما قال سبحانه في إبراهيم عليه السّلام : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ، [ النحل : 120 ] وهم كثير كما كان أتباع موسى ، والموحدون وإن كثروا قليل وللأمر لطيفة ، ذلك أنه ما على الأرض إلا موحد ، وإلا لما كان اللّه القاهر فوق عباده ، ولما كان آخذا بناصية كل دابة ، فالتوحيد يقتضي وجود الواحد وفعله وكونه واحدا وإن تكثر من قبل صوره ومعلولاته ، لكن الناس يجهلون سر التوحيد ، ولا يبصرون كيف هم في القبضة وكيف يسيرون من قبل قبضة الاسم وصفته وجنده من الخواطر . . ولهذا كان الناس في جنات وعيون من الصفات الإلهية ، وهذه هي الرحمة الرحمانية التي أوجدت الوجود ثم خرجوا من هذه الجنات إلى أرض الأسماء ونار الطبائع ، فطبع كل واحد باسمه وصفته فهم أسرى الأسماء ولا يعلمون . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 60 إلى 68 ] فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 ) [ الشعراء : 60 ، 68 ] الشروق طلوع شمس الذات من مغرب البدن ، أي بروز الحقيقة الذاتية من صدر الإنسان كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن ) ، واليمن إشارة إلى النفس . والترائي رؤية كل فريق للآخر ، فالموحدون يرون حقيقة المشركين ، والمشركون لا يرون إلا ظاهر الموحدين ، وليس الظاهر كالباطن . والعصا التي ضرب موسى عليه السّلام بها البحر فانفلق هي القدرة الإلهية التي هي الخيط الرفيع الفاصل بين بياض النور وسواد المادة ، فالعصا بروز القدرة الإلهية التي هي محركة الوجود وما فيه . وانفلاق البحر انشقاقه وللأمر نكتة ، وذلك أن الوجود كله بحر ، ولكن هذا البحر مكون من فرقين ، فرق هو المادة ، وفرق هو الروح ، وكلاهما جبل عظيم ، إذ الوجود المادي عظيم والوجود الروحي أعظم لأنه الأساس والأرضية والخلفية والعمد غير المرئية ، ولقد اجتهد هيغل ليبين قيمة الوجود الروحي وكونه أس كل شيء حي وحياته واستمراره . فمن انكشف له الأمر نجا من نار النمرود التي هي الوجود الظاهري ، وعام في بحر الوجود المطلق ناجيا من الغرق الذي يكون ضحيته كل من ظل حبيس عالم العيان وصوره .