محمد غازي عرابي

711

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وهذا الطلب هو مد العينين إلى احتلال مرتبة الألوهية على أن يكون الإنسان المفكر نفسه هو الإله لا اللّه سبحانه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 32 إلى 33 ] فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) [ الشعراء : 32 ، 33 ] العصا القدرة ، وهي من الصفات الإلهية السبع ، وفي كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير بينا أن الإنسان يستعمل آلات ويسخر قوى ليست له وليست من خلقه ، فالإنسان بعد أن وجد وجد نفسه في هذا الجسد ذي القوى والآلات . ولقد ضرب موسى مثلا لهذه القدرة الثعبان ، والثعبان الحية العظيمة ، والحية إشارة إلى الحياة واسمه سبحانه الحي ، فموسى ذكر فرعون بأنه ليس صاحب ملكه ، أي نفسه وجسمه ، وأنه إن رفع يده فلقد رفعها بقوة أعيرت له ولا يمكنه أن يدعيها لنفسه ، والملاحظ أن تحريك اليد يحتاج إلى أمر من الدماغ ، ويقوم الدماغ بإطلاق إشارات كهربائية إلى عصب اليد ، ولا يعرف حتى اليوم كيف يتلقى الدماغ الإشارة من الإرادة ، ولا كيف يرسل هو الإشارة إلى العصب ، إذ العملية كلها هي من فعل اللّه وحده خالق الحياة ، وفعل اللّه سر . واليد المذكورة في الآية يدان ، يد موسى الظاهرة ومثلها يد كل إنسان واليد الأخرى الباطنة وهي اليد النورانية التي تحدث عنها الإمام الغزالي قائلا إنها أول ما يظهر من عالم الملكوت . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 34 إلى 51 ] قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 ) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) [ الشعراء : 34 ، 51 ] اللقاء الذي كان بين موسى والسحرة إشارة إلى لقاء باطني يعيشه العارف في مكاشفاته ، وفيه يتبين له ما كنا ذكرناه سابقا عن أن الجسم الإنساني بل وجسم كل مخلوق آخر هو خلق