محمد غازي عرابي
706
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الشعراء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم ( 1 ) [ الشعراء : 1 ] الطاء الطابع ، وكل ما في العيان من آثار هذا الطابع الذي هو الحق سبحانه ، والسين سر الطبع ، والذي عبر عنه سبحانه في موضع آخر قائلا سبحانه : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] ، وتقول الصوفية : يا من أمره بين الكاف والنون ، فعملية الطبع إذن دائمة ، وهذا ما فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكبير ، ومن المعلوم إن العلماء المحدثين درسوا خصائص المورثات ( الجينات ) ، وهم يكتشفون يوما بعد يوم أسرار هذه الخصائص الموجودة في الخلايا والتي تنتقل بالوراثة من جيل إلى جيل ، وهم يقولون إن الغريزة نظام مطبوع في الخلايا العصبية ، ولكنهم يجهلون كيف يتم هذا الطبع ولا كيف تنتقل المورثات من الآباء إلى الأبناء ، ولا كيف يظل الطبع حيا في الخلايا علما أن للخلايا عمرا وأنها تولد وتحيا وتموت . . فكيف يظل قانون الغريزة ساري المفعول في بناء الخلايا باستمرار ؟ والميم المركز ويذكر بالعلية الدائرية التي تحدث عنها هيغل والتي تبين على جميع المستويات تأثير العلة في المعلول وتأثير المعلول في العلة ، وتأثير الكم في الكيف وتأثير الكيف في الكم ، وتحول الكم إلى كيف وتحول الكيف إلى كم ، وأبرز الإمام الغزالي دور الروح في العملية ، والروح هو المركز المشع في الدائرة الوجودية التي هي مجال فعل الروح ونشاطه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 2 ] تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) [ الشعراء : 2 ] الكتاب الكتاب العلمي الوجودي الذي بمقتضاه خرج العلم من الإجمال إلى التفصيل ، أي من اللاتعين إلى التعين ، والعملية علمية دقيقة تدور حولها الدراسات الحديثة التجريبية التي تلقي الأضواء على هذا العالم الملئ بالأسرار العلمية المدهشة العظيمة ، يكفي أن يطالع الإنسان كتب علم الفلك والفضاء ويرى كم تطورت الدراسات منذ عهد القدامى حتى العصر الحديث ، وكم جدت اكتشافات لعالم الأجرام الذي ما يزال يكشف كل يوم عن جديد . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 3 إلى 4 ] لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) [ الشعراء : 3 ، 4 ]