محمد غازي عرابي
630
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الدماغ فعل الروح الذي تحدثنا عنه قبل قليل ، فليس في هذا الهيكل إلا اللّه ، هو الذي اتخذ من القلب مكانا للنجوى والمخاطبة وما وسعته سبحانه السماوات ولا الأرض ولا الجبال ووسعه قلب الإنسان ، وأي إنسان ؟ ذلك الذي لم يثن عطفه ، أي لم يلو عنقه راغبا عن اللّه ، سارقا عاريته الموجودة في الدماغ وفي الروح الحيواني وفي الحواس ظاهرة وباطنة مدعيا أنها له ، وهي ليست له ، وكيف تكون له وهو لم يكن شيئا ثم كان شيئا هو هذا الوجود الحق الذي وهبه سمعه وبصره وفؤاده ووعيه وإدراكه ، أنشد العارف باللّه عبد الغني النابلسي : نحن في ذاتنا وفي العلم أيضا * والكلام النفسي أصل التناجي عدم نحن في الثلاث وأما * هو فهو الوجود عقلة تاج ما ظهرنا به سوى بكلام * أزلي يضيء في ظل داجي وهو أيضا مراتب ليس تخفى * عن إمام مكمل المعراج رتبة الذات قبل رتبة العلم * بعدها رتبة الكلام المناجي [ سورة الحج ( 22 ) : آية 10 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 ) [ الحج : 10 ] لا يطالب اللّه الناس بأكثر مما في نفوسهم وفي طبيعة استعدادهم ، وعندما توجه الاسم الرحمن إلى الانتشار نشر المعقولات والمفاهيم ، التي هي حقيقته ومعناه فخرج الإنسان صورة هذه المعقولات والمفاهيم ، فكيفما كنت عليه من طبع فأنت هو ذلك المعقول المفهوم ، وعلى هذا الأساس يعامل الحق الخلق باعتباره أصلهم وباعتبارهم صورته ، فما ظلم اللّه أحدا لما وهبه اسمه ، وما سأل أحدا شيئا لم يطبع عليه . واليدان هما كالقدمين ، وهما تمثيل للحقيقة الإنسانية الجامعة للحق والخلق ، فيد هي الأصل ، ويد هي الفرع ، الأولى قديمة والثانية محدثة ، يد تعطي مفهوما والثانية تأخذ من ذلك المفهوم ، فمسؤولية الإنسان محصورة في أن يأخذ من اللّه وإليه بكلتا يديه ، وأنشد ابن عربي قائلا : فلولاه ولولانا * لما كان الذي كانا فإنا أعبد حقا * وإن اللّه مولانا وإنا عينه فاعلم * إذا ما قلت إنسانا فلا تحجب بإنسان * فقد أعطاك برهانا فكن حقا وكن خلقا * تكن باللّه رحمانا