محمد غازي عرابي

696

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

رؤية العذاب رؤية أصل الصور الظاهرة كشفا وذوقا ، والمؤمنون بالصور محجوبون أزلا وأبدا ، فهم لن يروا هذا الكشف ، ولهذا جاء في الآية أن هؤلاء لن يروا إلا العذاب . وللعذاب في تفسير ابن عربي قرنان ، قرن هو العذاب العادي ، وقرن هو العذوبة وهو حال الكافرين الذي يعيشون بالفعل معذبين بالصور التي هم بها مؤمنون ، وهم يستعذبون في الوقت ذاته تمسكهم بهذه الصور ، وفي مقدمتها أناهم ، وهذا ما جاء في الآية الثالثة والأربعين إذ قال سبحانه أرأيت من اتخذ إلهه هواه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 44 ] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 ) [ الفرقان : 44 ] كل مؤمن بالصور دون الرقي إلى رب الصور هو كالأنعام بل هو أضل وللتشبيه لطيفة ، ذلك أن الأنعام تنقاد لراعيها ، فالمتعلقون بالصور أنعام لتلك الصور وهم لا يعلمون ، أما كونهم أضل سبيلا فلأنهم لا يعلمون أنهم منقادون ، ويظنون أنهم أسياد يفعلون ما يشاؤون والصور لهم مطايا ، وهي مجرد تجريد ، في حين أن العكس هو الصحيح . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 46 ] أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) [ الفرقان : 45 ، 46 ] يمكن حمل الظل على العالم المادي فيكون العيان ظل العين أو الروح ، وهذا ما جاء في الآية أن اللّه هو الذي مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ، فالتحريك والسكون له ، أما الشمس فهي على هذا الظل دليل ، ذلك لأنه من دون الشمس ما كان ظل . أما القبض فهو القبضة ، فقوله سبحانه : ثُمَّ قَبَضْناهُ لا يعني أن الظل لم يكن في القبضة ثم قبض بل هو فيها مذ كان ظلا ، فالظل يتبع أصله ، وهو موجود مفقود ، متحرك ساكن ، حي ميت ، وهذا هو حال العالم المادي [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 47 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) [ الفرقان : 47 ] اللباس ما يلبسه الإنسان ، والليل العالم المادي ، ومنه أيضا الجسم ، وعليه فالإنسان يلبس الجسم لأنه هو جزء من الروح أصلا وإن ظهر في جسم ، وهذه الحقيقة هي بالنسبة إلى الإنسان راحة كما جاء في الآية والنوم سباتا ، كما أن جهل الإنسان لحقيقته الروحية يعني أنه نائم ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) . والنهار طلوع شمس الروح من مغرب البدن ، وهذا من أشراط الساعة كما ورد في الحديث فليس للنائمين نهار ، بل النهار للمستيقظين الذين استغفروا في الأسحار ، وظلوا مستمسكين