محمد غازي عرابي

692

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ذات عبد مطلق في عبودته لا يشوبها ربوبية بوجه من الوجوه ، وذات عبد مطلق في عبوديته لا يشوبها ربوبية بوجه من الوجوه ، وذات حق مطلق لا يشوبها عبودية بوجه من الوجوه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 22 إلى 23 ] يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان : 22 ، 23 ] الكافرون لا يرون الملائكة لأنهم لا يرون المعقولات ، وكيف يرونها وهم يحسبونها نتاج تفكير وتجريد محسوس وليس لها وجود بذاتها ؟ أما المؤمنون فهم يؤمنون بوجود الملائكة ، وهذا ركن من أركان الإسلام وإيمانهم به إيمانهم بالضمير الموجود في ذاتهم يرشدهم في ظلمات البر والبحر . . حتى إذا جاء اليقين ذو الفتح المبين تحول الإيمان بالملائكة إلى رؤيتهم عيانا ، وهذا هو جوهر الكشف والذوق الذي يعيشه العارفون ، وهذا هو عالم البرزخ الفاصل بين عالمي الروح والشهادة والمسمى المثل الأفلاطونية والأعيان الثابتة ، والذي كان الفاصل الوحيد بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو عندما قال الأول بوجود عالم المثل ، وقال الثاني لا وجود لهذا العالم إلا بوجود العالم الثاني ، فالمادة والصورة متلاحمتان مترابطتان ، ولما كان ابن رشد هو شارح أرسطو الأكبر ، ولما لقي ابن عربي وسأله عما إذا ما قاله - أي ابن رشد - هو ما رآه ابن عربي في كشفه قال ابن عربي نعم ولا ، أي وافق ابن عربي أرسطو وابن رشد في شيء وخالفهما في شيء ، وبين نعم ولا تطير الأرواح أي المعقولات المجردة نفسها أي الملائكة الوارد ذكرهم في الآية ، فالكافرون محجوبون إذن بالأنا ، والأنا الجزئية تقلبها الملائكة ذات اليمين وذات الشمال ، وهم جند اللّه ، فهم القبضة التي تقلب القلب ، لهذا جاء في الآية أن الكافرين يوم يرون الملائكة يقولون حجرا محجورا ، أي يستفيدون من الملائكة أو على الأصح من وجود الملائكة الذين هم المعقولات المتصرفة في الدماغ نفسه . . . فإذا انكشف الأمر فلا أنية ولا فكر ولا حواس باطنة ولا حواس ظاهرة ولا يبقى من الإنسان إلا الهيكل البدني الذي هو مجال فعل القبضة ، وهذا معنى الآية الثالثة والعشرين ، والتي ذكر ما فيها سبحانه في موضع آخر فقال : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [ مريم : 40 ] . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 24 ] أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) [ الفرقان : 24 ] المقيل الاستراحة من الجهادين الأصغر والأكبر في استراحة المعقولات بعد أن تفتحت أزهارها ، وآتت أكلها الدانية التطوف ، فصار الجني حلالا مثلما جنت مريم من النخلة رطبا جنيا .