محمد غازي عرابي
686
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الفرقان بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) [ الفرقان : 1 ] الفرقان من فرق ، ولقد أنزل القرآن على النبي دفعة واحدة ، ثم نزل منجما بعد ذلك ، ولما كان القرآن كتاب الوجود باعتباره أم الكتاب كان المعنى أن الوجود بدأ بثا وجوديا علميا صرفا مثل عالم لديه نظريات أراد إظهارها ، أما الوجود العياني فهو تفصيل الوجود العلمي أي خروج هذا العلم قوانين وأفكارا ونظريات وعقائد . وقوله : عَلى عَبْدِهِ باعتبار العبد مقام العبودة أي الوحدة ، والنبي رمز الوحدة باعتباره النور الجامع ، ولهذا قالت الصوفية ما قالوا في كون الوجود كله الإنسان الكامل ، وسماه ابن عربي الإنسان الكبير ، ثم قالوا إن الأنبياء والعلماء هم ممثلو هذا الإنسان ، فالنبي وحدة تامة كاملة متكاملة سميت عبدا باعتبار العبد الإنسان لغة أي الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الرحمن ، ولهذا شاهدت الصوفية اللّه جهارا في عالمه ، فما خرج عنه إلا صورته . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 2 ] الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( 2 ) [ الفرقان : 2 ] التقدير إعطاء الأسماء حقها من الوجود ، والمشاهد في عالم الطبيعة أن كل ما فيها مخلوق بقدر وموجود بقدر ، فهو يولد ويتناسل بقدر ، ويحيا بقدر ، ويعيش بعضه ببعضه بقدر ، فمن المخلوقات من تحيا على النبات ، ومنها على الحيوان نفسه ، ومن النبات ما يحيا بالماء ومنه من يحيا بالحشرات ، فعالم الطبيعة نظام يكشف عن تقدير علمي كامل ليس فيه مجال للفوضى أو المصادفة اللتين يتحدث عنهما بعض العلماء . أما عالم الإنسان فلقد اتخذ التقدير منح الصورة معناها ، فلكل صورة وجود ومعنى ، والمعنى حقها من التقدير ، فالموحد لا يرى في الوجود إلا الصور ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء فمن اشتهى صورة دخل فيها ) ، وقال عبد الكريم الجيلي : الشهادة الأعلى شهود الحق تعالى بعين اليقين في سائر مخلوقاته ، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوقات فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال ، بل كما أخبر به سبحانه بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] .