محمد غازي عرابي
681
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
أكون أنا ذلك الرجل ) ، والمشاهد جمعت له الأسماء فهو مليكها وهي خادمته وملك يده كيفما شاء تصرف فيها ، وترى المشاهد المحقق الفاني تتبعه العيون ، وتعلقه القلوب ، وتهوي إليه ، ويوضع له القبول في الأرض ، وكم شهد التاريخ خلفاء للّه محققين احتلوا مكانة ذي القرنين ، وتبوؤا عرشا أين منه عرش الملوك مثل الغزالي وابن عربي وابن الفارض والرومي والشيرازي والعطار وابن أدهم . . . حتى إذا مات أحدهم كادت النفوس أن تكون حرضا ، وأن تذهب عليهم حسرات . وتبديل الخوف أمنا له لطيفة ، فالمحقق فاز برتبة إسلام القرين فلا قرين للمحقق إلا اللّه ، وشيطانه قد أسلم وعاد إلى الحظيرة كما ذكر ابن عربي في الفتوحات ، فعمل القرين محدد ، وهو مثل كلب الراعي يحوش به الغنم النافرة ، قال عبد الكريم الجيلي : إذا عرفه الولي صار كل ما كان يريد أن يغويه به هداية في حق العارف ، ويتقرب به إلى الحضرة الإلهية . [ سورة النور ( 24 ) : آية 56 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) [ النور : 56 ] ربطت الآية بين أداء الفرائض والرحمة ، فالذين يقولون إن الشريعة لا ضرورة لها ، وإن باستطاعة الإنسان أن يجتاز جهنم إلى جنة الحقيقة بمجرد طلبها هم جاهلون ، فمن سم الخياط يلج الإنسان إلى عالم الحقيقة . وسم الخياط هو الشريعة وما فيها من فرائض وعبادات ولهذا خاطب الحق نبيه قائلا وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ، ففي الفرائض سر لا يعيه إلا العالمون ، فهي الظل الذي أوى إليه موسى بعد أن أعيا عقله بحثا في الوجود وتفكرا ، صحيح . أن العبادات ثقيلة ، وظاهرها حركات كالصلاة ، وجوع وعطش كالصوم ، وخروج عن المال كالزكاة ، ولكن جوهرها تفتت حجر الأنا لفتح ثغرة في جدار النفس للنفاذ إلى الكنز المدفون تحته ، فلا حقيقة بلا شريعة ، ولا شريعة عن غير تحقيق للحقيقة أي وصول . [ سورة النور ( 24 ) : آية 57 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 57 ) [ النور : 57 ] ما دام الناس جميعا ممثلي الأسماء الإلهية كانوا جميعا في القبضة ، مؤمنين منافقين وكافرين ، ولو خرج أحدهم على اللّه لصار إلها وهذا مستحيل فالحرية الإنسانية داخلة في نطاق الإرادة الإلهية ، ولهذا ذكر الحق نبيه بأن الكافرين لا يعجزون اللّه ، وهو القاهر فوقهم ، والآخذ بنواصيهم ، ولهذا كان دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا ، ومقلب القلوب ) . [ سورة النور ( 24 ) : آية 58 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 58 )