محمد غازي عرابي

1199

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة الإخلاص بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الإخلاص ( 112 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 1 ، 4 ] قال صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه السورة : ( إنها ثلث القرآن ) ، فما السر الذي عرفه رسول اللّه حتى قال في هذه السورة ما قال ؟ قال سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : 11 ] فهو الأحد المطلق القديم المتعالي المنزه عن الحلول في أين ، ثم ظهر في أين ، فكان البين لصاحب البين ، حيث يظن أنه سبحانه بائن ، وما هو ببائن ، بل حاضر بالمعية ، وبالهوية ، لنا منه صدور من هذه الهوية ، فنحن من دونه لا شيء وهو الشيء ، ومن شيئتيه كان كل شيء ، فهو الداخل الخارج ، الظاهر الباطن ، وما هذه الصور إلا مظاهر سبحات وجهه سبحانه ، عشقته الأرواح ، وطلبته المهج ، وهوت إليه الأفئدة المنورة ، فرأوه في المدينة المنورة ، والقرية التي ضمت هذه الدنيا والصور والهياكل والأشباح . كان من قبل أن يكون ، فهو قبل القبل ، وبعد البعد ، فهو بدء الكون ، وهو باق بعد الكون ، فهو وارث الكون ، له كل شيء بالتضاد والاتفاق فهو وريث الثقلين ، والنعلين ، تنزه سبحانه عن أن يوصف إلا بما وصف به نفسه فهو الواحد الأحد ، الفرد ، الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . فإلى هذا المقام العالي تعرج الأرواح ، وتلتقيه عند سدرة المنتهى ، عندها جنة المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، والسدرة صور ، وهو رب الصور ، محرك الصور ، قاهر الصور ، له الطلعة البهية ، والمجلى السني ، سبحانه إذا وصلت إليه الروح طالعته نورا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( نورا إني أراه ) ، فهو سبحانه النور القديم الباقي ، له الزمان والمكان ، والأنفس والأرواح لا خروج عليه ، ولا معصية فيه ، فهو القهار الجبار ، حاشاه أن يكون له شريك في الملك ، ومن يكون الشريك ، ولا موجود إلا النور ، وهو النور وهو المطلق ، وهو التعين ، فليس ثمة إلا هو ، هو من وراء كل شيء المحيط بكل شيء ، فمن وصل إليه عرفه ، ومن عرفه فني فيه ، ومن فني فيه بقي به ، فكان الصورة الإلهية ، والوحي الذي يوحى ، سبحانه أشرقت الأرواح لما تجلى ، فرأته المعنى والمبنى ، ورأته في كل حي ، وبكل حي ، فهو الحي .