محمد غازي عرابي

679

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة النور ( 24 ) : آية 46 ] لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 46 ) [ النور : 46 ] الآيات المعقولات ، ولكل شيء آية وكل شيء آية ، وآيات الإنسان أفكاره التي قال فيها جلال الدين الرومي : الخالق يخلي قلوبهم كل مساء من مئات الآلاف من خواطر الخير والشر بينما هو في النهار يملؤها من تلك الخواطر ، ويجعل الأصداف حافلة بالدرر ، وآيات الحيوان غريزته ، وآيات الأجرام الفضائية قانونها الذي يحكمها ، ولهذا جعلت الحكماء اليونانيون للكواكب عقولا . فالآيات البرزخ بين عالمي الروح والمادة ، فهي النجوم الأوابد المعلقة في الفضاء تحتها الكل مقهورون ، ومن الناس من يهتدي بتلك الآيات فيكون فكره له آية وهدى كما قال الفارابي عن العقل المستفاد إنه أرفع العقول درجة بعد أن استفاد علومه من الدنيا والآخرة ، فبلغ مرتبة الخلافة ، أما ابن سينا فسمى هذا العقل العقل القدسي : وقال هو نوع من العقول الرفيعة المنزهة جدا ، وليس مما يشترك فيها الناس جميعا ، فمن الناس من يهبه اللّه تعالى شدة الصفاء وقدرة الاتصال بالعقل - خالق هذا الكون - فترتسم في هذه العقول الرفيعة الصور التي في العقل الفعال ، وهذا ضرب من النبوة كقول الأنبياء . والكافر والمنافق له آيته ، وآيته الضلالة بمشيئة من اللّه ، ولهذا ختمت الآية بالقول : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] ، وقال سبحانه في موضع آخر وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ يونس : 99 ] ، ولقد دعا النبي أن يؤيد اللّه الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل فهدى اللّه عمر وأضل أبا جهل . [ سورة النور ( 24 ) : آية 47 ] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) [ النور : 47 ] لا يمكن للمؤمن أن يعرض عن الهدى وإلا لما كان مؤمنا ، في حين أن غير المؤمن يعرض لأنه في الأصل معرض غير مؤمن . . إذ كيف يمكن لقلب أضاءه نور الهدى أن يرغب عن النور إلى الظلمة وعن صراط المرضي عنهم إلى صراط المغضوب عليهم ؟ [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 48 إلى 52 ] وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 50 ) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 51 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ( 52 ) [ النور : 48 ، 52 ]