محمد غازي عرابي

1166

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة البروج بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ( 1 ) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ( 2 ) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ( 3 ) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ( 4 ) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 ) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ ( 10 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) [ البروج : 1 ، 11 ] يقسم الحق بالسماء ذات البروج ، والسماء إشارة إلى الفكر وآلاته كالدماغ ، والبروج الحواس ظاهرة وباطنة بالإضافة إلى الحدس والإلهام ، فتم استواء الرحمن على عرش قلب الإنسان ، والاستواء تجلي الحق بذاته لذاته ، فلقد أوردنا في كتابنا الإنسان الكامل قول الصوفية إن الحق اقتطع من ذاته قطعة ، ليست به متصلة ، لتكون عند القطع منفصلة ، فالأمر بين عين وعيان ، بطون وظهور ، إطلاق وتقيد ، وقالت الصوفية يرى الإنسان في المرآة من وجهه ما لا يراه منه بلا مرآة ، فاللّه خلق الوجود عموما ، والإنسان خصوصا ، ليتمرأى فيهما ، ففي وجه الإنسان ، أي حقيقته وصفته ، تمرأى اللّه عز وجل ، قال ابن عربى : الشيء لا يظهر في نفسه لنفسه ، فلا بد من عين يظهر فيها ، فيشهد نفسه في المظهر ، فيسمى مشهودا وشاهدا . وذكرنا في كتابنا الإنسان الكبير ما يحدث في المرآة عندما يتمرأى الحق فيها فقلنا إن الوجود الإنساني ، الذي هو الصورة الإلهية في المرآة ، هو وجود شبحي تماما مثلما يكون وجود الصورة في المرآة ، وإن كان الإنسان يحس ويعي ويشعر بذاته وبوجوده وبأنه حر يفعل ما يشاء ، فالإطلاق حدد الإطار ، وأطلق الأنوار ، فكانت الصورة المقيدة ، وشرحنا كيف يكون اللّه العلم المطلق دون حصر ، وكيف يكون له أيضا العلم المقيد بالحواس والتطورات ، وقلنا إن الحق يستفيد علما من العلم المقيد عن طريق أسماء الصفات التي يمكن اعتبارها أسماء انفعالية لاستفادتها المعلومات من العيان ، وكون الحق بواسطتها السميع البصير ، ففي مجال العيان فاللّه هو الشاهد ، مشاهد لما يقع ، وما يقع ما يقع إلا بإذنه ، وبواسطة علمه وإرادته وقدرته وأسمائه وصفاته وقواه ، حتى إذا آن أوان التجلي تجلى الحق بذاته لذاته في قلب عبد من عباده ، فكانت ليلة القدر ، ونزل قرآن العلم في ليلة القدر ، فرأى العبد ما رأى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، وما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى ، وما رآه فناءه