محمد غازي عرابي
1150
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ثلاث شعب ، وفي الحديث أن للكرسي قدمين ، وهما اليمين والشمال ، أي ما ينقسم إليه الفكر من تضاد كنا ذكرناه ، فاليمين والشمال ، أي الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ، شعبان للفكر ، وهما سبب التناقض الفكري ، والشعب الثالث الوصول إلى قرار يكون مبدأ للفعل ، فالعملية الفكرية وصفت في الآيات بأنها دخان نار ، والإنسان قرينه الجن إن لم يكتشف سر لعبة التفكير ، وإن لم يرد هذا السر إلى اللّه ، فلئن ظل محجوبا عن ربه فهو بالتالي ضحية الانشطار الفكري أبدا ، ولهذا كان بعيدا عن اللّه يصلى جهنم ، والعملية نفسية ذات صلة بالدماغ ، وكنا ذكرنا صلة النفس المادية بالدماغ ، وأنها اتخذته آلة ووسيلة لإجراء عملية التفكير نفسها ، ولهذا جاء في الآية الثالثة والثلاثين أن شعب الفكر الثلاث ذات شرر كأنه جمالات صفر ، والجمالات جمع جمل إشارة إلى حجم القضية ، أما وصفها بأنها صفر فله نكتة ، فلقد جاء في تفسير الجلالين أن العرب تسمي سود الإبل صفرا لشوب سوادها بصفرة ، فقيل إن الصفر في الآية بمعنى سود ، ولما كانت الصفرة إشارة إلى النفس كما جاء في وصف البقرة في سورة البقرة ، كانت الإشارة واضحة إلى النفس المادية الصفراء ذات الصلة بالعالم المحسوس الذي وصف بالسواد ، فكل تفكير بشري هو تفكير مادي ذو صلة بالعالم وموضوعاته ، وهذا هو فحوى فلسفة كانط الذي فضح دور العقل في نظرته إلى العالم ، وكون الإنسان سجين العقل لا يستطيع النظر إلى العالم إلا من خلال عقله ، وأضاف كانط قائلا أن لا سبيل إلى معرفة الشيء في ذاته ، أي اللّه ، إلا عن طريق الأخلاق التي تنصب جسرا بين الباطن والظاهر ، أي بين الروح والعالم المادي ، فمن لم يدرب درب الأخلاق فهو كما وصف في الآيات من القوم الذين لا ينطقون ، بل أنفسهم هي التي تنطق ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، لأنه لا وجود لهؤلاء حقيقة إلا كمظاهر لنفسهم ذاتها ، ولا يستطيعون معرفة الحقيقة لأنهم محكومون مسبقا بأفكارهم بل وأخلاقهم التي قيل في وصفها في الفلسفة بأنها معطيات أولية جاهزة لا سبيل إلى الفكاك منها . أما من أعطى واتقى وتبع منهج اللّه ، وذلك وفق الاستعداد الفطري أيضا ، فهو الذي درب درب الأخلاق ، فقاده المنهج الأخلاقي إلى معرفة القواعد الأخلاقية ، أو القانون الأخلاقي الذي هو أساس المعرفة الإلهية ، إذ يكشف هذا القانون المثل ، وتكشف المثل الأعيان الثابتة أو المعقولات ، وتكشف المعقولات وجود النور موجدها ، فإذا الحق ظاهر بعد أن كان باطنا ، وإذا الإنسان المحجوب قد كشف حجابه ، فصار بصره حديدا ، فرأى اللّه جهارا في الصور .