محمد غازي عرابي

1145

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

واللّه حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال لهما : إني معكما أسمع وأرى ، وقال لهما أيضا موصيا : فقولا له قولا لينا ، فكان موسى وهارون وسيلة للحق ليسمع ويرى ، والحقيقة أن الآلات البشرية وسيلة للتعامل مع الجزئيات نفسها ، وإلا فالحق في غنى عن الوسائط والآلات ، وهو الغني عن العالمين . [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 3 ] إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الإنسان : 3 ] ما شكر الشاكر إلا بعد أن جعل اللّه ربه الداعية في قلبه للشكر ، فالشاكر الحقيقي باعث الداعية وهو اللّه ، وهو سبحانه الذي قدر نفسه حق قدرها ، وقدر الشكر اللازم لهذا القدر ، فلو لا الداعية القلبية ما فكر مفكر في خلق السماوات والأرض ولا في نفسه ، ولا في اللّه ، فالهدى هدى اللّه ، وهو كلمات بينات نورانية يخطها سبحانه في القلب فيتنور وينجلي ، ويصبح لسان حال اللّه . أما الكفور فهو موضع الجحود والكفر ، وهؤلاء هم الذين ذكرهم اللّه في الفاتحة ، فسماهم المغضوب عليهم ، ولهؤلاء صراط كما صراط الشاكرين وقال الغزالي : بعض الخلق شرط للبعض الآخر ، فلو شاء اللّه ما كفر من كفر ولهذا قال سبحانه مخاطبا نبيه : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ يونس : 99 ] ، وقال : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 11 ] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 ) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ( 10 ) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ( 11 ) [ الإنسان : 4 ، 11 ] السلاسل والأغلال والسعير إشارات إلى الصفات المذمومة التي يتصف بها الكافرون ، فالغل الصفة السيئة التي تحكم صاحبها ، فلا يستطيع الفكاك منها والخلاص كما يكون حال المغلول عادة ، أما الأبرار فهؤلاء الذين هدوا إلى الحميد من القول والصراط المستقيم ، وهداهم صوت ذاتي ضرب اللّه لنوره وحكمته كأسا يشرب منها عباد اللّه ، فالكأس كأس الحكمة التي ينطق بها المؤمن ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إذا أخلص العبد للّه أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) ، فهذا التفجير جواني ، لا يعود الإنسان بعده بحاجة إلى تعليم معلم ، فمن دخل هذا المحراب ، والمحراب المدخل إلى عالم المطلق ، وجد فيه النفس