محمد غازي عرابي
1138
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وقلنا الصوت موسيقى ، مثلما أن أصوات الطيور موسيقى ، فاللّه عن طريق صوت الروح ، أو المسمى المطاع في القرآن ، والموصوف بأنه ذو مرة قوي مكين ، فهو يحقق فعل اسميه المضل الهادي ، وعدت البسملة في القرآن آية ، وهي الآية الأولى الواردة فيه باعتبار الفاتحة السورة الأولى ، وذكرنا أن البسملة مؤلفة من تسعة عشر حرفا ، وفسرنا في كتابنا فتح الوجود سبب حذف الألف من بسم التي أصلها باسم اللّه ، وقلنا إن هذه الألف هي الفاعلة ، وهي الفاعلة بالأسماء أي بواسطة الأسماء ، وما تفعله مذكور في الفاتحة نفسها التي كشفت أن الناس فريقان المهديون والمغضوب عليهم أو الضالون ، فالألف الفاعلة بواسطة الأسماء هي المحققة لكون الناس مهديين وضاليين ، أما المهديون فهم يهدون بنور الهدى ، أي الضمير ، وأما الضالون فهم الذين يتحقق تضليلهم عن طريق أصحاب جهنم التسعة عشر ، وبينا أن التسعة عشر ليست إلا حروفا ركب منها القرآن ، فعن طريق الحروف ، أي عن طريق الكلام يتم تضليل الضالين ، ولما كان تكليم الروح إلهاما ولما ذكر سبحانه أنه يلهم النفس فجورها وتقواها ، فإن أصحاب جهنم الملائكة يضلون المغضوب عليهم بكلام ذاتي جواني ، مستمعوه عن حقيقته غافلون ، وقلنا إن معنى هذا أن الضالين محجوبون عن الحقيقة مبعدون عن اللّه ، ويتم الإبعاد بالصوت ، وقال سبحانه : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] ، أي جهنم ، وسئل الإمام الصادق : هل وردتموها ؟ فأجاب : جزناها وهي خامدة ، وذكر الضحاك أن للكافر حفرة في النار يكون فيها وهو لا يعلم ، وقد رأى النبي جهنم ، واطلع فيها ، ورأى أكثر أهلها من النساء وهو لا يزال في الدنيا ، وذكر في الحديث أن اللّه خلق جهنم وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، أي أن أهل جهنم هم في جهنم من قبل أن يخلقوا ، وهم فيها حتى وهم في الحياة الدنيا ، والنتيجة أن الضالين هم في جهنم أبدا ، من قبل خلقهم ، وفي خلقهم ، ومن بعد موتهم ، فمن تساءل من الكفار والذين في قلوبهم مرض عما أراد اللّه بضرب أصحاب جهنم من الملائكة مثلا ، والعدد تسعة عشر هم أهل النار ، وهم في النار ولا يدرون ، وهم المبعدون المحجوبون المحكومون المقهورون من قبل أصحاب النار الملائكة الذين هم جند اللّه عن طريق صوت الإلهام فلا سبيل إلى الخروج من نارهم هذه أبدا . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 32 إلى 56 ] كَلاَّ وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيراً لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 )