محمد غازي عرابي

1128

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الصبح ببطن نخل ، وهو موضع بين مكة والطائف فإذا حملنا المعاني على المباني كانت الإشارة إلى علم اليقين الذي موعده الصبح ، أو فجر الاستيقاظ من نوم الغفلة ، أما المكان الذي هو بطن نخل ، فالإشارة إلى المعقولات الباطنة التي قلنا إن النخل ورطبها رمز لها فعلم اليقين كشف المعقولات نفسها ، وهو كشف يضع المكاشف مباشرة أمام اللّه ، فإذا هو باطن الإنسان ، وإذا هو فكره ، وإذا هو خاطره والمسمى الإلهام ، وكل هذا أشير إليه بالنخلة التي قيل إنها خيمة الإنسان . وكون بطن نخل مكانا بين مكة والطائف فالإشارة إلى هجرة السالكين إلى اللّه وسفرهم ، ثم الإسراء بطي المكان من المسجد الحرام حيث يحرم الفعل تماما على العبد الذي أسري به ، حتى يبلغ المسجد الأقصى حيث الفلك الأقصى ، وهو ما يسمى في التصوف الفلك المكوكب ، وما نسميه فلك الزماكان ، حيث يتم بعدها العروج بالعبد في سماء المعقولات ، فالرحلة كلها هي من المعقولات ، وبالمعقولات ، وخلال سماوات المعقولات ، حتى يبلغ العبد سدرة المنتهى ، شجرة المنتهى الجامعة ، وهي شجرة إبراهيم أبي الأنبياء ، والسورة تتحدث عن المعقولات بعد أن كشف للعبد المصطفى الذي رأى ما لا يرى ، وسمع ما لا يسمع ، وما رآه أن هذه المعقولات تنطق ، وهي موحدة لكونها إلهاما إلهيا ، حاشاه سبحانه أن يكون ثمت إلهام لغيره ، وأنها تعرف ربها في القدم ، وتعرفه على قدم التوحيد ، وذلك بدهي لأنها هي نفسها فكر خالص مجرد ، وواسطة ظهور وفعل . ومعلوم أن الإلهام هدى وضلال ، وكنا قد تحدثنا عن وجود الانشطار والازدواجية في الفكر والنفس ، فشطر هو ما سمي في الآية الرابعة سفاهة ، وسمي صاحبها سفيها يقول على اللّه شططا أي كذبا ، وشطر يرد على هذا الكذب وهو مؤمن موحد ، والإشارة إلى الدور الذي يلعبه الانشطار وكلاهما ينطق باسم اللّه ، ولكن شقة واسعة تفصل بينهما . فالإلهام جامع ، ولا خروج حتى للشيطان وجنوده على اللّه ، ولهذا أعلنت الجن المؤمنون ، أي المعقولات الجميلة ، أنه لن تقول الجن والإنس على اللّه كذبا ، ما دام للحق الجمع ، وما دام هو الذي أراد دفع الناس عن طريق دفع الخواطر بعضها ببعض إحداثا للتناقض . وتحدثت الآية السادسة عن رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ، وهذا صحيح ، لأن الرجال جميعا ، بل النساء أيضا ، يعوذون بالجن أي بخواطرهم ، فمن هو الإنسان من غير خواطره ؟ وإذا جردنا الإنسان من فكره فما الذي يبقى منه ؟ وهل يبقى منه إلا ما يبقى للمجنون الذي لا يعقل ؟ والخواطر ترهق الإنسان لأنها القابض عليه من باطنه ، ولا فكاك له من أسرها ، حتى يأذن اللّه بمجيء الفتح واليقين ، فينجي عبده من أسر قرينه من جن الخواطر ،