محمد غازي عرابي

1124

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

بحيث يجعل الولدان شيبا ، ولو رأى المجرمون حقيقة الوجود لأسرعوا فرارا منه ، يود أحدهم أن يجد له منه نجاة وفرارا ، ولا نجاة ولا فرار من قبضة الواحد الجبار ، فلا المجرم هناك ، ولا الكافر ، ولا المنافق ، ولا كل صاحب دعوى أنية ، فلقد التقى طرفا الدائرة الوجودية ، ثم اتصل المحيط بالمركز ، فلا محيط ولا شيء إلا الحضرة الإلهية الصرفة التي قال فيها سبحانه : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 26 ، 27 ] . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 19 إلى 44 ] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ( 23 ) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 29 ) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 31 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 32 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ( 33 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 34 ) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ( 35 ) فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 ) [ المعارج : 19 ، 44 ] من طبيعة الأنا تمسك صاحبها بها أولا ، والخوف عليها ثانيا ، والخوف من العالم ثالثا توفيرا لجو يساعد الإنسان على العيش فيه كما تفعل الحيوانات في حجورها وبيوتها وغيرانها ، فالإنسان مفطور على الحفاظ على أنيته إلى حد يخرجه عن إنسانيته ، إذ الإنسانية غيرية ، ومن وصل مقام الجمع عرف هذه الحقيقة ، وتحقق قول هيغل إن الأنا هي نحن أيضا ، فلا يفرق بعدئذ بين الأنا والآخرين ، ولا يبقى سوى المجموع هدفا للخير ولفعله ، فمن أنا ، ومن أنت ، حتى أمنعك الخير إن ملكته ، وتمنعني المال إن جمعته وتكون هذه الأنا بيننا حاجزا وسورا لا يطفر أبدا ، فالأنا مصدر كل شر ، وأصل كل شح ، وسبب التمزق والتفرق والتعصب والفساد والطغيان في الميزان ، وما في الميزان من مفاهيم العدل والخير والحق والإحسان ، فما لم يخرج الإنسان على أناه ، ومن أناه ، فهو في جهنم الأنية سجين ، ظالم لنفسه ، وهو إن خرج فله فلك الأبدية والآفاق الإلهية ، وهو الإنسان على الحقيقة ، وخليفة اللّه في أرضه .