محمد غازي عرابي
1117
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
المؤمنون مستندون إلى خلفية أساسية من مداميك المعقولات والأنوار ، أما الملحدون فإلى أي مدماك يستندون ؟ يمينا أن الملحد إنسان أدلي في بئر بحبل ، والحبل تقرضه جرذان ، فهو ضحية الشك والخوف والقلق والهواجس يتخبط في متاهات الحياة تخبط الأعمى بل هو أضل سبيلا ، والحق خاطب الملحدين فأفحمهم ، فمن لم يكن اللّه إلهه فإلهه هواه وأصنام من الصور الظاهرة والباطنة لا يحصيها عدد ، هو لها ضحية . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 42 إلى 47 ] يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) [ القلم : 42 ، 47 ] الكشف عن الساق كشف الحقيقة ، وهذا الكشف عظيم ، وهو كشفان كشف أهل الحقيقة كما قال سبحانه مخاطبا نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) [ المزمل : 5 ] ، وقوله : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ ق : 22 ] ، وكشف أهل الشرك والنفاق الذين سماهم اللّه مجرمين ، وهؤلاء يؤخذون من باطنهم ولا يشعرون ، وأخذهم مكر إلهي كنا قد تحدثنا عنه ، وفحواه أن اللّه يمكر بالمجرمين من خلال تفكيرهم نفسه ، فيضلهم على علم ، وييسرهم للعسرى ، وهم لا يعلمون ، فهم في مضلة ، يهوون في جهنم أبدا ، فالمجرمون لا يستطيعون السجود ، لأن السجود يتطلب العلم والمعرفة ، فإذا كان الإنسان جاهلا فكيف يسجد ؟ ومع هذا فالصوفية يقولون : ليس في الوجود من مخلوق إلا وهو ساجد باعتبار الخضوع للحقيقة القاهرة فوق كل موجود ، والآخذة بناصية كل دابة ، فلا مفر من السجود للّه الذي هو رب العالمين ، لكن شتان بين من يسجد للّه عن إيمان وعلم ، ومن يسجد له كرها وجهلا منه بحقيقة السجود ، وهذا معنى قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [ الأعراف : 182 ، 183 ] . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 52 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) [ القلم : 48 ، 52 ] الحكم حكم الجبروت للملكوت ، فلا خروج على هذا الحكم القاهر ، وأمر الحق نبيه بالصبر على هذا الحكم حتى يأتيه اليقين ، ويجيء النصر الإلهي والفتح المبين - فيعلم ما علمه الإمام الغزالي بعد الكشف فقال : لما طلعت شمس الوصول على مصابيح الأصول ، تبين