محمد غازي عرابي

1115

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وتعد الأنبياء والأولياء مثلا للأخلاق الإلهية التي تصطفي الإنسان وتعرج به في سماء المعقولات حتى يبلغ الأفق الأسنى ، وهذه النماذج للصورة الإنسانية المثلى هي مرآة الحق تظهر صورته التي سماها أفلاطون الخير : فقال الخير الأول هو اللّه ، والأعلى علة الأدنى ، والخير الأول لم يزل موجودا ، والخير الثاني هو العقل ، والخير الثالث هو النفس ، وهكذا حتى تنتهي إلى الأجرام ، والباري تعالى هو الخير الذي بالفعل . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 10 إلى 16 ] وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 15 ) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ( 16 ) [ القلم : 10 ، 16 ] هذا وصف دعي في قريش ، هو الوليد بن المغيرة ، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة ، ويعد الوصف من أبلغ ما قيل في رجل سيئ الخلق ، والوصف جامع ، يدخل فيه الجمع ، فيكون وصف الصورة السيئة الجامعة ، وقال الإمام علي : إذا رأيت من أخيك خلة حسنة فانتظر أخواتها ، والصورة الجميلة كانت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما سبق وصفها ، والصورة الذميمة كما وردت هاهنا ، وكم بين الجمال والبشاعة ، والخير والشر ، والثرى والثريا . فالمستمع لإلهام فجور النفس متصف بكل صفة سيئة ، وهذه شيمة الكفار والمنافقين ، ولهذا قال عمر رضي اللّه عنه : لست بخب والخب لا يخدعني ، واشتهر عمر بمعرفة سبل الكفار والمنافقين ، ومن قبلهم سبل الشيطان ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم في عمر رضي اللّه عنه : ( إذا رآه الشيطان في فج أسرع إلى فج آخر ) ، وميزة الأنبياء والأولياء علمهم بأصحاب الخلال السيئة أي أصحاب القلوب المريضة ، فرجال اللّه ذوو فراسة ونور من ربهم يرون من الناس ما لا يرونه هم أنفسهم من أنفسهم ، وقال ابن عربي : الأديب هو الجامع لمكارم الأخلاق والعليم بسفسافها ، لا يتصف بها ، بل هو جامع لمراتب العلوم محمودها ومذمومها ، لأنه ما من شيء إلا والعلم به أولى من الجهل به عند كل عاقل . وثمة نقطة أخرى في الموضوع ، فلقد جاء في الآيات أن اللّه سيسم الرجل الطالح على الخرطوم ، أي توعده بأن يجعل له علامة في أنفه ، ولقد حدث هذا ، إذ خطم أنف الوليد بن المغيرة بالسيف يوم بدر ، وما حدث دليل على أن اللّه قادر على أن يفعل ما يشاء كما قال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، فالمشيئة تشمل ما كان ، وما هو كائن ، وما سيكون ، وفي مجال المصيبة قال سبحانه إنها مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فأحداث المستقبل مسطورة إذن أزلا ، ومن هنا كان مقام التوكل الشهير الذي يوقن العبد فيه