محمد غازي عرابي

1112

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الإشارة إلى سماء المعاني وما فيها من معقولات ، وكنا قد تحدثنا عن المفاهيم القبلية الكانطية والمقولات الكلية الهيغلية والمفاهيم الأزلية اللايبنتزية ، كما تحدثنا عن أسماء اللّه الحسنى وصفاتها الثابتات من الكليات الحاكمات ، فهذه كلها سماء ذات أسس ثابتة لا سبيل إلى تغييرها ، ومعلوم لدى الفلاسفة القدامى أن العقل الفعال هو الذي علم العقل الهيولاني المادي ، وجعل ما فيه بالقوة بالفعل ، وهو الذي طبعه بصور المنقوشات الأزلية ، فالإنسان بين رحمتين رحمة شملت دنياه ورحمة شملت آخرته وعالمه الروحاني ، فلو لا اللّه ما استوى العقل الإنساني على عرش الوجود ، ولما رفعت شعارات الحق والعدل والخير ، ولما تغنت الشعراء بالحب والتضحية والجمال . فكل ما لدى الإنسان من إنسانية هو بفضل من اللّه ، ولولاه ما تبوأ الإنسان هذه المكانة الرفيعة في الوجودين الأرضي والسماوي ، ولو شاء اللّه لمسخ الإنسان على مكانته فإذا هو غير ما هو عليه ولعله يكون حيوانا بل أحط منه قيمة وشأنا ، ولو شاء اللّه لقلب المفاهيم قلبا فشالت كفة الميزان ، وانسفلت الأخرى ، فإذا العدل ظلم ، والخير شر ، والإيمان إلحاد ، والجمال بشاعة ، والطهارة نجاسة ، وإذا كل القيم قد زالت قيمتها في الوجود الإنساني الذي ما عاد إنسانه إنسانا ، يمينا إن الإنسان في جنة يحبر حتى وإن جعلت المشيئة الإلهية في الناس الأخيار والأشرار ، المؤمنين والملحدين ، الطغاة والمصلحين ، إذ الشيء بنقيضه يعرف . [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 19 إلى 30 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ ( 20 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ( 21 ) أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 23 ) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ( 27 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 ) [ الملك : 19 ، 30 ] الطير الأرواح التي تحدث عنها ابن عربي في لقائه بابن رشد شارح أرسطو الأكبر عندما قال له في ختام الحوار : وبين نعم ولا تطير الأرواح ، فالأرسطية جعلت الإنسان أرضيا ،