محمد غازي عرابي
670
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ذلك يا عائشة ، إن اللّه خلق الجنة وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ) ، فتعلمت عائشة على رسول اللّه علما هو العلم الإلهي النبوي الذي هو فوق العلم الفكري النظري ، وهو له أصل ، فالفكر قد يقول إن الأطفال جميعا أبرياء ما داموا صغارا ، والفكر قد يحكم مثلا على الأغنياء بأنهم جميعا أنانيون ظالمون ، وأن الفقراء ضحايا مظلمون ، ومع هذا فالعلم الإلهي النبوي قد كشف أفقا آخر هو ما قاله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة عن أن الإنسان يولد طيبا صالحا مثل عائشة ، ويولد شقيا كافرا مثل الغلام الذي لقيه العبد الصالح فقتله ، والأغنياء ليسوا جميعا أشرارا ظالمين ، فهذا أبو بكر يفتدي الإسلام بنفسه وماله ، وهذا عثمان يخرج عن معظم ماله من أجل تجهيز جيش المسلمين ، وكان عبد الرحمن بن عوف غنيا دعم الإسلام بثروته . . . وكذلك فالفقراء ليسوا جميعا صالحين غيريين ، فلقد كانت قريش تستأجر المرتزقة الفقراء لقتال المسلمين ، واستخدمت هند بنت أبي سفيان العبد حبشي فقتل حمزة عم الرسول . فالعلم الإلهي له الأصول ، وبالتالي فإن له القوامة على العلم الإنساني الذي يمثل الخطأ والصواب ، وهو متطور لا يثبت على حال ، واعتماد العلم الإلهي أولى لحكم العالم وإصدار الشرائع والقوانين ، لأن له رؤية بعيدة المدى صالحة لكل زمان ومكان ، وهو العليم بالإنسان وبمصلحة الإنسان وبفطرة الإنسان ، فالإسلام مثلا لم يجرد الأغنياء من أموالهم بل فرض الزكاة والصدقة ، وحث على عتق الرق والعطاء والبذل ، وكان بهذا السباق إلى معالجة مشكلة إنسانية كبرى تعالج من قبل المفكرين والباحثين حتى يومنا هذا ، وهم في صددها مختلفون . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 27 إلى 27 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) [ النور : 27 ، 29 ] البيت إشارة إلى القلب ، ودخوله بمثابة استماع الخواطر والاستئناس إليها ، والبيوت غير بيوت المسلمين خواطر الآخرين ثم أقوالهم ، فالمؤمن ما دام قد دخل الإيمان في قلبه فإن عليه ألا يستمع غير المؤمنين من المنافقين ، والسّلام على أهل البيت هو أن يحس الإنسان الطمأنينة والراحة إذا استمع مؤمنا آخر ، فإن الطيور على أشكالها تقع ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( الأرواح جند مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر اختلف ) ، والإذن قبول الغير استماع الإنسان ، فإن لم يجد لديه رغبة في سماعه فليعرض عنه .