محمد غازي عرابي

1099

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ التغابن : 9 ، 13 ] السكن إلى الصفات الإلهية التي يخلعها اللّه على عباده الأتقياء والتولي إلى هذا الظل الظليل في جنة العلم الإلهي ، هو الذي يجعل أهل العلم في يوم التغابن الفائزين يغبنون الكافرين بفوزهم بجنات النعيم . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 14 إلى 18 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) [ التغابن : 14 ، 18 ] الآية تذكر بدعاء نوح ربه لما آوى ولده إلى الجبل ليعصمه من الماء وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فالأمر أعمق من صلة الرحم الطبيعية وقال الشاعر : كم من أخ لك لم يلده أبوكا * وأخ أبوه أبوكا قد يجفوكا فالمؤمنون إخوة ، والكافرون إخوة أيضا في الكفر ، ولكن شتان بين إخوة الحق وإخوة الباطل ، فصلة الرحم الحقيقة هي صلة الإيمان ، ولقد أعلن سبحانه أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين صالحين فخانتاهما ، وفسرت الخيانة بأنها الكفر ، إذن ثمت حقيقة وجودية كشف عنها الحق في كتابه العليم حين أعلن قائلا إنه قد يكون للرجل المؤمن امرأة كافرة ، وقد يكون للأب النبي ولد كافر ، وقد يكون للابن النبي أب كافر كأبي إبراهيم ، فالأمر متداخل في بعضه بعضا ، وليس ثمت إلا الإيمان وحده صلة رحم حقيقية ، فإذا كان اللّه ابتلى الأنبياء بأزواج وأولاد كفار ، فماذا يكون بقية الناس إذن ؟ إن الواقع يؤكد هذه الحقيقة الاجتماعية الموجودة والمعاشة حيث قد يكون الولد عدو أبيه ، والأخ عدو أخيه ، والمرأة عدوة زوجها ، والرجل عدو امرأته كما كان فرعون زوج آسيا ، واللّه نبه المؤمنين على هذه الحقيقة وحذرهم لئلا يؤتوا من مأمنهم ، وليكونوا عالمين بأن في هذه الدنيا قد اختلط الظلام بالنور ، وعايش