محمد غازي عرابي
1098
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وعيانا ، فالحب طريق إلى الفناء ، والفناء سبيل الكشف ، والكشف سبيل المعرفة الذوقية الوجدانية المعانية للمطلق عيانا حدسيا تقصر عنه المعرفة الحقيقية . وقال ابن عربي : أثر الحب في المخلوقين التلاشي عند استحكامه ، لأنه يقبل التلاشي ، فلهذا يتنوع العالم في الصور فيكون في صورة ، فإذا أفرط فيها الحب من حيث لا يعلم ، وحصل التجلي من حيث لا يظهر تلاشت الصورة ، وظهرت في العين صورة أخرى ، ولا يزال الأمر كذلك دائما لا ينقطع ، وقال : محب اللّه لا ينكر على محب حب من أحب ، فإنه لا يرى محبا إلا اللّه في مظهر ما ، ومن ليس به هذا الحب الإلهي فهو ينكر على من يحب ، وقال : من أحب العالم لجماله فإنما أحب اللّه ، فإنه ليس للحق مجلى إلا العالم ، وقال : ما فني وهام في حبه بكليته إلا في ربه ، أو فيمن كان مجلى ربه ، ومن هنا حبب لرسول اللّه النساء ، ومن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن ، بل من كمال العارف حبهن ، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي ، وهو تعالى المتجلي في كل وجه ، والمطلوب في كل آية ، والمنظور إليه بكل عين ، والمعبود في كل معبود . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 4 إلى 8 ] يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 4 ) أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 6 ) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 ) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 8 ) [ التغابن : 4 ، 8 ] قوله : أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا يذكر بقوله في سورة القمر : أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ الآية : 24 ] ، وقول الكافرين : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [ الأنعام : 8 ] ، والإشارة إلى أن الكافرين لا يؤمنون بأن النبي إن هو إلا وحي يوحى ، وهم يتطلعون إلى ما أبعد من البشرية التي جعلها اللّه مستودعا للألوهية وصورة ومحلا للنجوى والإلهام والوحي ، والحقيقة أن كل إناء بما في ينضح ، وما دام الكافر محجوبا ، وليس في قلبه إلا الريب والشك والظن والوسوسة فالنتيجة أنه لن يؤمن بوجود المؤمن أولا صاحب الأخلاق الفطرية السليمة ، ثم بوجود المحسن الذي بلغ مقام اليقين فرأى اللّه عيانا في الصور ، ثم رأى اللّه عينا واحدة هي أم الصور ، ثم رأى اللّه في الظاهر والباطن والأول والآخر ، وأدرك حقيقة قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه أي حقيقة الوجود الإلهية التي لا وجود لغيرها . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 9 إلى 13 ] يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 )