محمد غازي عرابي
1082
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وقيل إن الجسد كله وما فيه من قوى وأجهزة يعمل بأمر الدماغ ، وإن الدماغ هو الذي ينظم دقات القلب حتى تعمل كالساعة ، وهو الذي يحدد نشاط الكبد والكليتين وضغط الدم ، وبالإضافة إلى أن فيه مراكز الحواس ظاهرة وباطنة ، فالدماغ آية اللّه في خلقه . وحاولت المادية أن تجعل الدماغ نفسه سبب التفكير ، فردت على أعقابها ، حتى أن المادية الحديثة الديالكتيكية سفهت هذا التفسير ، وكل الدراسات التي حاولت أن تشرح سر عمل الدماغ لم تؤد إلى نتيجة مرضية والسبب أن الدماغ نفسه هو سر إلهي كما قلنا . والصوفية يقولون إن الروح ينصب على الدماغ فيجعله يعمل ، وضربنا مثلا لهذا المصباح الكهربائي الذي لا يضيء إلا عند وصله بالتيار الكهربائي ، وهو من دون الكهرباء ميت ، وهو بالكهرباء حي ، وبالكهرباء فقط يكون المصباح مصباحا ، فالدماغ مكان وآلة للاستواء الإلهي على عرش هذا المخلوق الإلهي الذي هو الإنسان ، ولذلك كان التفسير الصوفي وحده الجامع بين التفسير المادي والتفسير المثالي للدماغ ، فالآفة إن أصابت الدماغ تعطله عن التفكير ، فإذا زالت برئ الإنسان وعاد إلى صوابه ، وهكذا تجد الإنسان مخلوقا مادروحيا ، لا هو مادة صرفة ، ولا هو روحا صرفا ، بل هو كما قلنا جسر ومعبر وواسطة ظهور لا غير ، ولهذا تحدثت الصوفية عن الفناء والعدم ، وعن أن الإنسان لا هو موجود ولا هو معدوم ، وعن كونه ممكنا في ذاته واجبا باللّه ، فلو لا الإنسان ما ظهر اللّه ، ولولا اللّه لما كان الإنسان ، ولما كان إنسانا ، ولهذا قالت الصوفية إن الإنسان ميت حي ، ميت بذاته ، حي بالروح ، أو كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أبي بكر : ( من أراد أن ينظر ميتا يمشي على الأرض فلينظر أبا بكر ) . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 23 إلى 24 ] هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 24 ) [ الحشر : 23 ، 24 ] الآيتان تختمان سورة الحشر الحاشرة ، والحشر جمع الجمع في اللّه الذي كان وليس معه شيء ، وهو الآن على ما كان ، فأول الخلق التصوير ، والتصوير بدء فض المعادلات العلمية الكائنة في الذات الخالصة ، فالتصوير كتابة هذه المعادلات في لوح النفس التي هي شاشة عالم العيان الباطنة ، والمسماة في الكتاب الرق المنشور . والتصوير إعطاء الأنا الجزئية صورة من صور المعقولات ، وهي عملية تحدثنا عنها بالتفصيل في كتابنا الإنسان الكبير مبينين كيف يتم الطبع في الخلايا العصبية ، وكيف سميت هذه الصور الأفكار القبلية عند كانط ، وصور الماهيات الأصلية والمقولات الهيغلية ، والمفاهيم الأزلية عند لا يبنتز ، والمثل الأفلاطونية ، والأسماء الحسنى في القرآن ، وهذا الطبع