محمد غازي عرابي

1074

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة المجادلة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 2 ) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 3 ) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 4 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 5 ) [ المجادلة : 1 ، 5 ] بطن الآيات إشارة إلى المجادلة في النفس البشرية التي خلقت من نفس واحدة ، وجعل منها زوجها ، فهي زوجان في زوج ، وكنا فصلنا الكلام في هذا التزاوج في كتابنا الإنسان الكبير . فالإنسان زوجان ، واللّه القائل ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين ، والإنسان شيء . ولقد ميز اللّه الإنسان عن الحيوان بالإزدواجية إخراجا للعلم الإلهي المدفون تحت جدار هيكل البدن ، فمن حرم هذا التزاوج وأنكره فهو جاهل طبيعة النفس البشرية ، وما جعل اللّه فيها من سر هو أصل الإنسان بل أصل الحياة . والناس يعيشون الازدواجية ، ولكنهم لا يعونها ، أو كما قال هيغل : تحول العقل إلى روح يعي أنه روح ، فالعقل حجاب ، وخلف الحجاب الروح ، وهذا الروح هو الفاعل ، وهو جاعل النفس نفسين متزاوجتين تحقيقا للحكمة الإلهية من خلق الإنسان . فعلى الإنسان أن يدرك طبيعة نفسه ، وسر وجود التضاد فيها والازدواجية ، وأن يعي أيضا ما غاية وجود هذه الازدواجية ، فإذا وعى وأقر أن النفس نفسان ، أصل وفرع ، وأنهما زوجان اثنان بأمر اللّه ، كان عليه من ثم أن يحرر رقبته من نير الأنا أولا ، فإن لم يستطع ، فإن عليه أن يصوم أياما معدودات ، أو أن يطعم المساكين ، وهذه سنة اللّه في المسلمين الذين أوجب اللّه عليهم أن يسلموا وجوههم إليه ، وأن يعتقوا رقابهم وذلك باتباع طريق الأخلاق والشريعة ، ويعد ( إحياء ) الغزالي سكة واضحة المعالم محددة تؤدي إلى الكشف عن حقيقة التزاوج النفسي في الإنسان ، وسمى الإمام هذا الكشف علوم المكاشفات .