محمد غازي عرابي
1070
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
أسرار الفضاء ، وكيف أن للكواكب عمرا وأفلاكا ومسارات محددة ، كذلك فإن سكان الأرض هم جزء من هذا المخطط الكوني الذي حدد كل شيء ، ورسم بيان كل شيء . لقد بحثت الفلاسفة كثيرا موضوع الحرية والجبرية ، فمنهم من قال بحرية الإنسان كسارتر القائل إن الإنسان مشروع وجود ، كيفما شاء حققه ، وفهم من قال بالجبرية ، مثل اسبينوزا ، ومنهم من عد هذه المسألة سرا من الأسرار مثل كانط الذي لم يستطع أن يوفق بين قانون العلية - السببية والحرية الإنسانية ، ومنهم من آمن بالجبرية أولا مثل فشته ، ثم نفذ منها إلى الإيمان بإمكان الحرية الإنسانية كما فعل في كتبه الأخيرة . والصوفية يقولون إن الموضوع يخرج على نطاق الحرية والجبرية جميعا ما دام في الوجود وجود حقيقي واحد هو الوجود الإلهي ، وأن الوجود الإنساني نسبي إضافي وإمكاني بحت ، فما دام للّه الوجود الحق فكيف يتأتى للإنسان أن يكون حرا ، فيكون حاله كحال كوكب خرج على نظام الفضاء العام ومسيرة الكواكب ، فسبح يمينا أو شمالا ، أو تردد بين بين . وما حير الفلاسفة بخاصة شعور الإنسان بأنه حر ، يتردد في مواقف في اتخاذ قرار ، ثم يتخذ هذا القرار ، وهذا ما بينه فشته نفسه وكثير من الفلاسفة وعلماء النفس ، والحقيقة أن هذا الشعور ، والتذبذب بين الخواطر ، ثم اتخاذ القرار هو أيضا موقف إلهي ، واللّه وصف نفسه بأنه فعال لما يريد ، وبأنه غالب على أمره ، وأنه لن يشاء الإنسان إلا أن يشاء اللّه ، فهو الذي يرمي النفس بسهام الخواطر ، وهو الذي يجعلها تتردد ، وتسمى النفس في هذا الحال قلبا أي من التقلب ، وهو الذي يجعلها تختار أخيرا ، فالعملية وإن بدت إنسانية فهي إلهية ، وهي لعبة أيضا تدخل في نطاق لعب الأسماء ولهذا وصف سبحانه نفسه بأنه حر يفعل ما يشاء ، قال الإمام الغزالي إن قلت أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ، قلنا نعم ، وذلك لا يناقض قولنا إن الكل من خلق اللّه ، بل الاختيار أيضا من خلق اللّه ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له . وتحدثت الآية عن المصيبة التي تصيب الإنسان ، والتي هي في كتاب سابق على وجود النفس الجزئية ، وهذا بدهي ما دامت النفس في القبضة قبل خلقها ، وإبان خلقها ، وبعد خلقها ، وخلال ما تكون حية تسعى حتى تقبض ، وإيمان كهذا يجعل الإنسان في راحة ما دام قد آمن باللّه مالكا للنواصي كاتبا على الناس ما يصيبهم من خير وشر في حياتهم ، ومن منظور هذا الإيمان يكون التوكل الذي هو اعتماد الأسباب أولا ، ثم تقبل النتيجة سلبا أو إيجابا من اللّه تعالى ، ولما قدم عمر الشام ، سمع أن بها طاعونا ، فأمر الجيش بالرجوع ، فسأله رجل : أفرارا من قدر اللّه يا عمر ؟ فأجاب : نفر من قدر اللّه إلى قدر اللّه ، والجواب يدل على فهم عميق للفعل الإلهي الذي يشمل التفكر والتردد وإجماع الأمر فأحداث العالم هي من تخطيط